موقع إخباري يهتم بفضائح و انتهاكات دولة الامارات

تحقيق يكشف خفايا إمبراطورية عالمية لمعالجة التأشيرات تتمركز في دبي

0 149

كشف تحقيق استقصائي خفايا واحدة من أضخم الفضائح المرتبطة بإمبراطورية عالمية لمعالجة التأشيرات تتمركز في دبي بدولة الإمارات وتمتد أنشطتها عبر أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط وأوروبا.

وأظهر التحقيق أن شركة “في إف إس غلوبال”، التي تعد من أكبر مزودي خدمات التعهيد الخارجي للتأشيرات في العالم وتدير خدمات تقديم الطلبات نيابة عن عشرات الحكومات، باتت في قلب جدل متصاعد بشأن طبيعة نفوذ الشركات الخاصة على أحد أكثر قطاعات الحوكمة الحديثة حساسية، وهو حركة الأفراد عبر الحدود.

وأثار التحقيق تساؤلات جدية حول كيفية تمكن شركة مرتبطة بالمنظومة المالية والاستثمارية في دبي من اكتساب تأثير واسع داخل قطاع حيوي يرتبط بالسفر والهجرة والبيانات الشخصية لملايين الأشخاص حول العالم.

وبحسب النتائج التي راجعتها منصة “دارك بوكس” الاستخبارية، فإن ما بدأ باعتباره خدمة إدارية لتسهيل إجراءات التأشيرات، تحول إلى منظومة تجارية ضخمة قائمة على استغلال نقاط ضعف المسافرين من الدول النامية.

وقد وجد ملايين المتقدمين للحصول على التأشيرات، سواء لأغراض التعليم أو العمل أو السياحة أو لمّ شمل الأسر، أنفسهم أمام نظام أصبحت فيه الخدمات الأساسية والراحة وسرعة الإجراءات مرتبطة بمجموعة متزايدة من الخدمات الإضافية مرتفعة التكلفة.

ويثير التحقيق جدلاً واسعاً حول مزاعم تتعلق بأساليب بيع عدوانية، وهياكل رسوم مثيرة للجدل، ومخاوف مرتبطة بالخصوصية ومعالجة البيانات، إلى جانب اتهامات بأن النموذج التشغيلي شبه الاحتكاري منح الشركة نفوذاً واسعاً على أشخاص لا يملكون عملياً بديلاً سوى استخدام خدماتها.

وأشار التحقيق إلى أن نموذج العمل اعتمد بشكل كبير على تحويل الضرورة الإدارية إلى فرصة تجارية مربحة.

وكان العديد من المتقدمين يدخلون مراكز التأشيرات وهم يتوقعون دفع الرسوم الحكومية الرسمية فقط، لكنهم واجهوا طبقات متعددة من الخدمات الإضافية التي يتم تقديمها باعتبارها خدمات مميزة أو اختيارية.

وشملت هذه الخدمات باقات المعالجة ذات الأولوية، وصالات الانتظار المميزة، وخدمات البريد السريع، وإشعارات الرسائل النصية القصيرة، وبرامج المساعدة في إعداد الوثائق، وخيارات مختلفة لتسريع الإجراءات.

ووصف موظفون سابقون ومتقدمون للحصول على التأشيرات بيئة أصبحت فيها أهداف المبيعات جزءاً أساسياً من العمليات اليومية.

وبحسب التفاصيل، فإن أنظمة الحوافز الداخلية كانت تكافئ الموظفين وفق قدرتهم على زيادة بيع الخدمات الإضافية، وهو ما اعتبره منتقدون تحويلاً لطالبي التأشيرات من أشخاص يحتاجون إلى خدمة إدارية إلى مصادر دخل داخل منظومة تجارية.

وتفاقمت المخاوف بشكل خاص في الدول التي يعاني فيها المتقدمون من ضعف المعرفة باللغات الأجنبية أو عدم الإلمام بالإجراءات البيروقراطية أو محدودية القدرة على الحصول على استشارات قانونية مستقلة.

وفي هذه الحالات، كان كثير من المتقدمين ينظرون إلى موظفي مراكز التأشيرات باعتبارهم ممثلين للسلطات الحكومية للدول التي يرغبون بالسفر إليها، وليسوا موظفين تابعين لشركة خاصة.

وخلق هذا الخلل، بحسب التحقيق، بيئة تسمح بالارتباك والضغط والاستغلال. كما تم مراجعة معلومات تثير مخاوف بشأن ممارسات غير نظامية مزعومة داخل بعض العمليات الإقليمية.

وتحدثت روايات موظفين سابقين ومتقدمين عن حالات جرى فيها إدراج خدمات إضافية ضمن المعاملات دون شفافية كافية، بينما قال آخرون إنهم اعتقدوا أن شراء الخدمات المميزة قد يحسن فرص حصولهم على التأشيرة، رغم أن هذه الخدمات لا تؤثر على قرارات الموافقة الحكومية.

وتصاعدت المخاوف مع ظهور مزاعم مرتبطة بمخاطر الفساد، إذ أشارت معلومات تمت مراجعتها ضمن تحقيقات دولية أوسع إلى حالات استغل فيها وسطاء وموظفون آمال المتقدمين ومخاوفهم عبر الإيحاء بأن دفع مبالغ إضافية قد يسهل الحصول على التأشيرات أو يحسن فرص الموافقة عليها.

وامتد الجدل أيضاً إلى ملف حماية البيانات الشخصية، إذ تتضمن طلبات التأشيرات جمع معلومات شديدة الحساسية تشمل جوازات السفر والبيانات البيومترية والسجلات المالية وتاريخ العمل وأنماط السفر ومعلومات العائلة والوثائق الخاصة.

وأكد التحقيق أن جهات تنظيمية ومراجعين في عدة دول أبدوا مخاوف بشأن ممارسات إدارة البيانات ومعايير الامتثال وحماية معلومات المتقدمين في وقت تزداد خطورة القضية لأن الشركة تعمل عند تقاطع ملفات الهجرة والأمن والدبلوماسية والخصوصية الشخصية، ما يجعل أي ثغرات محتملة في النظام تتجاوز مجرد المشكلات الإدارية.

ويحذر منتقدون من أن تركيز هذا الحجم من المعلومات الحساسة المتعلقة بملايين المسافرين يجعل النظام هدفاً محتملاً للتهديدات الإلكترونية والوصول غير المصرح به وإساءة الاستخدام.

كما كشف التحقيق عن إشكالية سياسية أوسع مرتبطة باتجاه الحكومات الأوروبية وغيرها خلال السنوات الماضية إلى نقل مسؤوليات معالجة التأشيرات تدريجياً إلى شركات خاصة بهدف خفض التكاليف التشغيلية وتقليل الأعباء الإدارية.

لكن هذا النموذج منح الشركات الخاصة نفوذاً غير مسبوق على وظائف مرتبطة بسيادة الدول في وقت يرى منتقدون أن الحكومات قامت عملياً بخصخصة نقطة الاتصال الأولى بين مواطني الدول النامية وأنظمة الهجرة في الدول الأكثر ثراءً، ومنحت شركات تجارية سلطة واسعة رغم أن أولويتها الأساسية تبقى تحقيق الأرباح.

وأشار التحقيق إلى أن هذه المعادلة خدمت مختلف الأطراف باستثناء المتقدمين أنفسهم؛ إذ خفضت الحكومات تكاليفها، وحقق المتعاقدون إيرادات ضخمة، ووسع المستثمرون عملياتهم الدولية، بينما تحمل المسافرون ارتفاع النفقات وتعقيد الإجراءات وضعف آليات المساءلة.

ويبرز دور دبي باعتباره أحد المحاور الأساسية في القضية، إذ يعكس موقع الشركة داخل النظام المالي الإماراتي اتجاهاً أوسع يتمثل في توسع شبكات الاستثمار المرتبطة بالإمارات في قطاعات الخدمات الدولية الاستراتيجية.

ووفق التحقيق، فإن نشاط معالجة التأشيرات إلى جانب توفيره مصادر دخل كبيرة، أتاح أيضاً الوصول إلى بيانات قيّمة وعلاقات دولية واسعة ونفوذ ممتد عبر عدة دول.

وتجاوز الجدل بذلك حدود شركة واحدة، ليطرح تساؤلات أوسع حول دور الكيانات التجارية المرتبطة بالإمارات في إدارة أنظمة دولية حيوية تؤثر على حياة ملايين الأشخاص.

ومع تصاعد الدعوات لإجراء تدقيق أعمق، يواجه المنظمون والمشرعون والمدافعون عن الخصوصية ومنظمات المجتمع المدني مطالب متزايدة بالتحقيق في كيفية حصول شركات خاصة على هذا القدر من النفوذ داخل أنظمة التأشيرات، ومدى كفاية الضمانات القائمة لحماية المتقدمين من أي إساءة محتملة.