أثارت مبادرة أطلقها النظام الإماراتي تحت اسم “عهد ووعد” جدلا واسعا، وسط انتقادات اعتبرت أنها تعكس توجها داخل نظام أبوظبي نحو تكريس الولاء الشخصي بدلا من تعزيز مفهوم المؤسسات.
وتدعو المبادرة المواطنين والمقيمين في دولة الإمارات إلى توقيع تعهد إلكتروني بالولاء لرئيس الدولة محمد بن زايد آل نهيان، وتصفه بأنه “رمز شرف الدولة وكرامتها وقائد نهضتها”، مع منح المشاركين شهادة رقمية تثبت انضمامهم إليها.
ورغم تقديم المبادرة باعتبارها رسالة وفاء وتقدير، رأى مراقبون أنها تطرح تساؤلات بشأن حاجة نظام أبوظبي إلى تنظيم حملة علنية لإظهار الولاء، في وقت تسعى فيه الإمارات منذ سنوات إلى تسويق صورة الدولة المستقرة والقوية.
واعتبر المراقبون أن الدول التي تتمتع بثقة داخلية راسخة لا تحتاج عادة إلى قياس مستوى التأييد الشعبي عبر حملات توقيع جماعية، لأن العلاقة بين الدولة والمجتمع تقوم على الثقة بالمؤسسات وليس على إعلان الولاء للأفراد.
ويرى هؤلاء أن إطلاق حملة من هذا النوع يحمل دلالات سياسية تتجاوز إطارها الرمزي، خاصة في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة والضغوط التي تواجهها دول المنطقة نتيجة الأزمات الأمنية والسياسية.
وكانت أبوظبي أنفقت خلال السنوات الماضية مبالغ ضخمة على الإعلام والعلاقات العامة وشركات الضغط الخارجية لتحسين صورتها عالميا، لكنها تجد نفسها اليوم أمام حاجة لإنتاج مشاهد داخلية تؤكد الالتفاف حول القيادة.
وتأتي المبادرة في وقت قدم فيه محمد بن زايد نفسه طوال سنوات باعتباره مهندس نموذج يقوم على الاستقرار الاقتصادي والأمني والانفتاح الخارجي.
ويبرز المراقبون أن الأنظمة الواثقة من متانة نموذجها السياسي لا تحتاج إلى مبادرات تعهد علنية، لأن شرعيتها تكون قائمة من خلال المشاركة السياسية والمؤسسات المستقرة والعلاقة الطبيعية بين المواطن والدولة.
ويشير هؤلاء إلى أن تحويل الولاء إلى ممارسة معلنة وموثقة بشهادات رقمية ينقل النقاش من قوة الدولة إلى طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع.
وتعمل الدول الحديثة على بناء الولاء للمؤسسات والقوانين والدستور، بينما يؤدي التركيز المفرط على الأشخاص إلى إضعاف مفهوم الدولة وتحويل العلاقة السياسية إلى ارتباط مباشر بالحاكم.
وتواجه الإمارات منذ سنوات انتقادات من منظمات حقوقية بسبب غياب الحياة السياسية التنافسية وفرض قيود على حرية التعبير والعمل المدني، وهي ملفات يعتبرها منتقدون مؤشرا على غلبة المقاربة الأمنية في إدارة المجتمع.
وبحسب هذه القراءة، فإن مبادرات الولاء لا تعالج تحديات بناء الثقة السياسية، لأنها تعتمد على التعبئة الرمزية بدلا من توسيع المشاركة العامة أو فتح المجال أمام نقاش وطني مستقل.
كما يرى معارضون أن حملة “عهد ووعد” تأتي ضمن مسار أوسع لترسيخ حضور القيادة في المجال العام، عبر ربط الإنجازات والسياسات باسم الحاكم بشكل مباشر، بدلا من تقديمها باعتبارها نتاج مؤسسات الدولة.
ويحمل هذا النموذج مخاطر طويلة المدى، لأنه يجعل الاستقرار مرتبطا بالأشخاص وليس بقوة النظام المؤسسي القادر على الاستمرار والتجدد.
في المقابل، تروج السلطات الإماراتية لنموذجها باعتباره قائما على التنمية والاستقرار والازدهار الاقتصادي، وتؤكد أن العلاقة بين القيادة والمجتمع تقوم على الثقة والتلاحم.
غير أن الجدل حول المبادرة أعاد طرح سؤال أوسع بشأن طبيعة الولاء السياسي في الدول الخليجية، وما إذا كان ينبغي أن يكون موجها للدولة ومؤسساتها أم يتمحور حول الشخصيات الحاكمة.
ويرى منتقدو أبوظبي أن قوة الدول لا تقاس بحجم حملات التأييد المنظمة، بل بقدرتها على بناء مؤسسات مستقلة تضمن استمرار الثقة دون الحاجة إلى طلب إعلانها بشكل متكرر.
وبذلك تحولت مبادرة “عهد ووعد” من حملة رسمية لإظهار الدعم إلى موضوع نقاش بشأن مستقبل العلاقة بين السلطة والمجتمع داخل الإمارات، وحدود الاعتماد على الرمزية السياسية في ترسيخ الشرعية.
