في منع حرية الإعلام

الإمارات من ضمن أسوأ 10 دولة في العالم في حرية الانترنت

أدرجت منظمة دولية الإمارات من ضمن أسوأ 10 دولة في العالم في حرية الانترنت ما يشكل فضيحة جديدة لأبوظبي.

وأظهرت أحدث التقارير والبيانات الصادرة عن منظمة “فريدوم هاوس التي تعنى بمراقبة حرية الرأي والتعبير في العالم أن أسوأ عشر دول في العالم من حيث حرية استخدام الإنترنت والوصول إلى المعلومات عبر الشبكة الإلكترونية من بينها ثلاث عربية.

وبحسب البيانات التي نشرتها المنظمة فإن كلاً من السعودية والإمارات ومصر من بين الدول العشر الأسوأ على مستوى العالم فيما يتعلق بالحريات الممنوحة لمستخدمي الإنترنت، وفيما يتعلق بحق الناس في استخدام الشبكة العنكبوتية والوصول إلى المعلومات من خلالها.

لكن هذه الدول الثلاث ليست الأسوأ على الإطلاق إذ يوجد ما هو أسوأ منها، حيث صنفت المنظمة الصين للعام السابع على التوالي كأسوأ دولة على الإطلاق من حيث حرية استخدام الإنترنت والرقابة المفروضة على مستخدميه.

وحسب منظمة فريدوم هاوس فإن هذه الدول لديها ضوابط صارمة لاستخدام الإنترنت، حيث تفرض نظام رقابة وتتبع مشدد يشمل حظر وسائل التواصل الاجتماعي، وحظر المحتوى السياسي أو الاجتماعي أو الديني، وتعطيل شبكات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات عمدا.

وكانت الإمارات من أوائل الدول العربية التي أصدرت قانوناً خاصاً بجرائم تقنية المعلومات عام 2006، لكنه لاحقا خضع لعدد كبير من التعديلات، حيث تم استبداله بالقانون الاتحادي رقم 5 لسنة 2012 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، ثم تم تعديله في 2016 و2018.

ومؤخراً أعلنت السلطات عن إقرار مرسوم بقانون اتحادي رقم (34) لسنة 2021 بشأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية ليحل محل القانون الاتحادي السابق رقم 5 لعام 2012 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وقد دخل القانون الجديد حيز التنفيذ في 2 يناير الماضي.

وكما كان متوقعاً، فقد جاء بالمزيد من القيود على حرية التعبير في الإمارات، ولم يعالج إشكاليات القوانين السابقة، بل حافظ على تجريم الأفعال المحمية بموجب القانون الدولي، واستحدث جرائم جديدة لم تكن موجودة في القوانين السابقة.

وسلط المركز الحقوقي في دراسة له الضوء على دور قانون الجرائم الإلكترونية الجديد والقوانين السابقة في تقييد حرية الرأي والتعبير في البلاد، وتناقضها الواضح مع المعايير الدولية لحرية التعبير.

فلو طبقنا المعايير العالمية لحرية الرأي والتعبير على قانون الجرائم الإلكترونية في الإمارات، سنجد أن معظم أحكام هذه القوانين لا تتوافق مع القيود المشروعة على حرية التعبير، بل تتعداها إلى إعاقة الحوار وكبح حرية التعبير وتقييد الحيز المدني.

وأكدت الدراسة أن إقرار قوانين الجرائم الإلكترونية في الإمارات لم يأتِ استجابة لمشكلة مجتمعية نتجت عن انتشار الإنترنت وما رافقه من انتشار للجرائم الإلكترونية، بل جاء وفق رغبة من النخب الحاكمة بهدف السيطرة على وسائل الإعلام الجديدة وتقييد الحريات.

نبذة تاريخية

كانت الإمارات من أوائل الدول العربية استجابة للتحديات التي فرضها التطور التكنولوجي الهائل الذي ترافق مع ظهور الإنترنت، وقد كانت الأولى التي تقر قانوناً منفصلاً لمعالجة الجرائم الإلكترونية، ففي عام 2006 تم إقرار القانون الاتحادي رقم (2) بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات.

الهدف من هذا القانون بشكل أساسي مكافحة بعض الجرائم المنتشرة على الإنترنت مثل سرقة البيانات واختراق الشبكات والترويج للمخدرات والتشهير.

كما أن عقوبات السجن والغرامات المالية كانت بسيطة مقارنة بالقوانين اللاحقة، فالغرامات المالية كانت لا تتجاوز 50 ألف درهم وأقصى عقوبات السجن كانت لا تتجاوز 7 أعوام، وقد بلغت عدد مواده 29 مادة فقط.

في عام 2012، حصل تحول جذري في مقاربة السلطات لقانون الجرائم الإلكترونية، حيث ألغت القانون الصادر عام 2006، واستبدلته بالقانون الاتحادي رقم 5 لسنة 2012 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات.

وقد بدا بشكل واضح أن الهدف من القانون الجديد لم يكن مكافحة الجرائم الإلكترونية بل مكافحة حرية التعبير، حيث تمت مضاعفة عدد مواد القانون لتصبح 51 بدلاً من 29، وأضيف عدد كبير من القيود والمصطلحات الغامضة والفضفاضة التي تجرم حرية التعبير.

وانتقدت منظمات دولية مرارًا هذا القانون، إذ وصفته منظمة ”هيومن رايتس ووتش“، بأنه أداة عملية لإغلاق المنفذ الوحيد الباقي في الإمارات للتعبير عن الرأي بحرية، وأكدت أن مواد القانون الفضفاضة ومبهمة الصياغة توفر السند القانوني لملاحقة من يستخدمون تقنية المعلومات أمام القضاء وسجنهم.

كما كشفت دراسة أصدرتها مؤسسة “فريدريش ناومان من أجل الحرية” عن قوانين الجرائم الإلكترونية في الدول العربية، أن قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الإماراتي لسنة 2012 وتعديلاته هو الأكثر تشدداً بين القوانين العربية، ويتوسع في معاقبة المضمون بما يحد من حرية التعبير، ِ ويفرض عقوبات غير متناسبة على النشر عبر الانترنت، مشيرة إلى أن القانون الإماراتي ينفرد بتجريم أفعال لم ترد في أي من القوانين العربية.

وقد احتوى القانون الجديد على عقوبات قاسية تصل إلى السجن مدى الحياة وغرامات مالية ضخمة حتى مليون درهم (272 ألف دولار) إضافة إلى كثرة القيود التي تجرم حرية التعبير، بل إن القانون احتوى على جرائم فريدة غير موجودة في أي قانون بالعالم.

ونظراً لتشدد العقوبات والغرامات العالية، فقد أدى هذا القانون إلى إشاعة حالة غير مسبوقة من الخوف داخل الإمارات، وبدأ المواطنون بفرض رقابة ذاتية كبيرة على أنفسهم خوفاً من خرقه، خصوصاً وأن موادخ اُستخدمت لإدانة عدد من الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان داخل الإمارات.

في 2016 و2018، قامت السلطات بإجراء تعديلات طفيفة على قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، لكنها لم تؤثر بشكل كبير على جوهر قانون 2012 ولم تعالج إشكالياته، حيث بقي القانون مهدِداً واضحاً لحرية التعبير.

وفي نهاية العام الماضي، أعلنت السلطات عزمها إجراء تحديثات جديدة في التشريعات الإمارتية بغية إصلاحها، لتشمل إلغاء قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات لـ2012، وتغيير اسمه إلى قانون مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية.

والقانون الجديد كان أسوأ من سابقه، حيث احتفظ بجميع المواد التي تجرم حرية التعبير، وإضافة قيود جديدة لم تكن موجود في القانون السابق على غرار المادة 52 التي تحمل عنوان “نشر الشائعات والأخبار الزائفة”.

وهي جريمة جديدة لم تكن موجودة في القوانين السابقة، وقد تم رفع عدد مواد القانون إلى 74 بدلاً من 51، كما أن القانون الجديد شدد العقوبات ورفع الغرامات لتصل إلى 10 ملايين درهم (2.723.000 دولار أمريكي).

تعريفات غامضة وفضفاضة

استخدم القانون الجديد الذي تم إقراره عدداً كبيراً من التعريفات الغامضة والمصطلحات الفضفاضة التي لا تفي بمعايير وضوح القانون وتفتقر إلى اليقين ويستحيل التنبؤ بمعاييرها الدقيقة، حيث لا يتم صياغة هذه المصطلحات بدقة كافية تجعل الأفراد قادرين على تنظيم سلوكهم ومعرفة ما هو مسموح به أو محظور.

على سبيل المثال، بموجب المادة 1 من القانون الجديد ، يُعرَّف “المحتوى غير القانوني” بأنه المحتوى الذي يهدف من بين أشياء أخرى إلى “الإضرار بأمن الدولة أو بسيادتها أو أيّاً من مصالحها […] أو انخفاض ثقة العامة في […] سلطات الدولة أو أي من مؤسساتها”.

والحقيقة أن هذا التعريف يحتاج إلى مجموعة أخرى من التعريفات، فماذا يعني مصطلح “انخفاض ثقة العامة”؟ وما هو المقصود تحديداً بمصطلح “الإضرار بأمن الدولة”؟ فكلمة أمن الدولة كلمة واسعة تحتمل طيفاً كبيراً من التفسيرات والمعاني، واستخدام مثل هذه الكلمات الفضفاضة يعطي السلطات صلاحية حظر جميع أنواع الخطاب عبر الإنترنت التي قد تنتقد السلطات أو حكام الإمارات.

تفرض المادة 53 من القانون غرامة كبيرة تتراوح بين 300.000 و10.000.000 درهم (حوالي 81.678 دولارًا أمريكيًا إلى 2.723.000 دولار أمريكي) على أي فرد يستخدم الإنترنت أو حسابًا إلكترونيًا لتخزين “محتوى غير قانوني” أو مشاركته.

ومن الأمور التي يمكن ملاحظتها أن القانون كان يستخدم نفس الكلمات لتعريف بعض المصطلحات أو يستخدم كلمة مرادفة لها دون ضبط المعنى أو تحديد المقصود بشكل واضح.

فمثلاً يعرف القانون البيانات الزائفة بأنها البيانات الكاذبة أو المضللة، هذا لا يمكن اعتباره تعريفاً بأي حال من الأحوال، وليس سوى كلمة مرادفة، وعلى هذا المنوال جاءت معظم التعريفات غامضة و لا تحتوي أي معانٍ أو تفسيرات واضحة، ولو تم إلغاؤها كلياً من القانون فلن تشكل أي فرق واضح.

تجريم حرية التعبير

يضم القانون الجديد العشرات من المواد التي تحظر حرية التعبير بشكل صريح، وتنتهك المعايير الدولية، المادة 22 من القانون على سبيل المثال، تفرض عقوبة بالسجن على استخدام الإنترنت لمشاركة أي منظمة أو مؤسسة مستندات أو تقارير أو بيانات من شأنها “الإضرار بمصالح الدولة أو أجهزتها الحكومية أو الإساءة إلى سمعتها أو هيبتها أو مكانتها”.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن المادة 43 تجرم وتعاقب بالسجن على السب والقذف، والتي تعتبر بموجب نفس المادة، ظرفا مشدداً للجريمة عند توجيهها ضد موظف عام، ومع ذلك، فإن المادتين 22 و43 لا تحددان الحد الأقصى أو الأدنى لعقوبات السجن المنسوبة لمثل هذه الأفعال.

وحتى لو قمنا بغض الطرف عن المصطلحات الفضفاضة والغامضة، فإن غياب عقوبة قصوى في هذه المواد يمكن السلطات فعليًا من فرض عقوبات غير متناسبة على الأفعال المحمية بموجب المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

يذكر أن المادة 22، المدرجة أصلاً في قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2012، استخدم من قبل السلطات القضائية للحكم على الحقوقي أحمد منصور بالسجن 10 سنوات، ولا يزال محتجزًا بشكل تعسفي حتى اليوم.

وتجرم المادة 25 من قانون 2021 “السخرية” أو “الإضرار بسمعة أو هيبة أو مكانة الدولة أو إحدى سلطاتها أو مؤسساتها أو أي من قادتها المؤسسين أو علم الدولة أو عملتها”، كما تعاقب المادة 28 استخدام الإنترنت لنشر المعلومات أو البيانات التي “تتضمن الإساءة إلى دولة أجنبية”.

وهذه المواد جميعاً، تم استخدامها في السابق من السلطات ضد المدافعين الإماراتيين عن حقوق الإنسان والنقاد السلميين والمعارضين السياسيين، وهي مواد تجرم حرية التعبير وتنتهك حق الأفراد في انتقاد السلطات.

كذلك، فإن القانون الجديد احتوى على مواد تقيد بوضوح عمل الصحفيين وتتحكم في وسائل الإعلام، على سبيل المثال، تحظر المادة 19 نشر ومشاركة أي محتوى أو بيانات أو معلومات “لا تتوافق مع معايير المحتوى الإعلامي الصادر من الجهات المعنية”، وهذه المادة تعني ببساطة أن نشر أي معلومات لا تتوافق مع رغبة السلطات يشكل جريمة يعاقب عليها القانون.


Posted

in

by