تواجه الإمارات مؤشرات متزايدة على تراجع قدرتها على لعب دور الوسيط المؤثر في أزمات المنطقة، بعدما دفعتها سياساتها الإقليمية التدخلية وتحالفاتها المتشابكة إلى التحول من دولة تسعى للوقوف بين الأطراف المتصارعة إلى طرف يُنظر إليه باعتباره جزءاً من عدد من الصراعات.
ويكشف تقرير حديث بعنوان “أبوظبي تفقد دور الوسيط” عن تحول واضح في خريطة النفوذ الخليجي، إذ تتقدم قطر بصورة متزايدة في أدوار الوساطة والتواصل بين القوى المتخاصمة، بينما تجد أبوظبي نفسها أمام مساحة دبلوماسية أضيق بسبب انخراطها المباشر أو غير المباشر في ملفات إقليمية مثيرة للجدل.
ويبرز التباين بشكل خاص في التعامل مع التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، حيث نجحت الدوحة في الحفاظ على قنوات اتصال مع واشنطن وطهران في الوقت نفسه، وهو ما منحها قدرة على التحرك بين الطرفين في فترات تعثر الاتصال المباشر.
وبحسب التقرير، استثمرت قطر خلال سنوات في سياسة تقوم على الاحتفاظ بعلاقات مع أطراف متنافسة، فرغم شراكتها الأمنية الوثيقة مع الولايات المتحدة، حافظت في الوقت نفسه على علاقات سياسية واقتصادية مع إيران، الأمر الذي منحها موقعاً خاصاً في لحظات التصعيد.
وفي المقابل، تواجه أبوظبي صعوبة متزايدة في تقديم نفسها بوصفها جسراً محايداً بين واشنطن وطهران، في ظل التوتر المتصاعد في علاقاتها مع إيران، وتقاربها مع السياسات الأمريكية الهادفة إلى ممارسة ضغوط اقتصادية وسياسية على طهران.
ويشير التقرير إلى أن الفارق بين التأثير والوساطة أصبح أكثر وضوحاً في المرحلة الحالية، إذ يمكن لدولة أن تمتلك نفوذاً اقتصادياً وعسكرياً واسعاً، لكنها لا تستطيع بالضرورة القيام بدور الوسيط إذا فقدت ثقة أحد أطراف النزاع.
ولا تزال الإمارات تمتلك قدرات اقتصادية كبيرة وعلاقات أمنية واسعة ونفوذاً دولياً، إلا أن ذلك لم يمنع تقلص قدرتها على الظهور كطرف محايد في عدد من الملفات الإقليمية.
ويقول التقرير إن السياسة الخارجية الإماراتية التي سعت خلال السنوات الماضية إلى توسيع نفوذ أبوظبي خارج حدودها حملت معها كلفة سياسية ودبلوماسية متزايدة، إذ أصبحت الإمارات مرتبطة بصورة مباشرة بعدد من النزاعات والصراعات في المنطقة.
ويبرز السودان باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة لأبوظبي، في ظل الاتهامات المتكررة التي تواجهها بدعم قوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها الإمارات باستمرار.
وقد أدى استمرار هذه الاتهامات إلى زيادة الضغوط على صورة الإمارات الدولية، خاصة مع تصاعد الدعوات الحقوقية والسياسية إلى التحقيق في شبكات الدعم والتمويل المرتبطة بالحرب السودانية.
وفي هذا السياق، تصبح الإمارات طرفاً محل جدل في أزمة إقليمية بدلاً من أن تكون وسيطاً مقبولاً بين أطرافها، وهو تحول ينعكس على قدرتها الأوسع على تسويق نفسها قوة دبلوماسية محايدة.
ويرى التقرير أن أبوظبي وقعت في مفارقة سياسية، إذ إن السياسات التي اعتمدتها لتوسيع نفوذها الإقليمي ساهمت في الوقت نفسه في تقليص المساحة التي تستطيع التحرك فيها وسيطاً.
فكلما توسع انخراط الدولة في الصراعات، أصبحت أكثر ارتباطاً بحسابات أحد الأطراف، وكلما فقدت حيادها، أصبح من الصعب عليها استعادة ثقة الخصوم المتنازعين.
وفي المقابل، تبدو قطر مستفيدة من هذا التحول، بعدما بنت سياستها الخارجية على الاحتفاظ بقنوات اتصال مع أطراف متعارضة.
ويشير التقرير إلى أن الدوحة لا تحتاج إلى اتفاق كامل مع جميع الأطراف، بقدر حاجتها إلى الحفاظ على الحد الأدنى من الثقة الذي يسمح بنقل الرسائل وفتح قنوات الحوار.
وقد ظهر هذا الدور من خلال التحركات القطرية المرتبطة بالتوتر الأمريكي الإيراني، حيث تحاول الدوحة تقديم نفسها بوصفها قناة اتصال يمكن اللجوء إليها عندما تتعثر المفاوضات المباشرة.
ويمنح الموقع الجغرافي والاقتصادي قطر دافعاً إضافياً للحفاظ على العلاقة مع إيران، إذ يتشارك البلدان مصالح استراتيجية مرتبطة بحقل الغاز، بينما ترتبط الدوحة في الوقت نفسه بشراكة أمنية وعسكرية وثيقة مع الولايات المتحدة.
ونجحت قطر، وفق التقرير، في تحويل هذه العلاقة المتناقضة ظاهرياً إلى مصدر للقوة الدبلوماسية، إذ أصبحت علاقتها بطهران ذات قيمة بالنسبة لواشنطن، كما أصبح قربها من واشنطن عاملاً يمنحها أهمية لدى الإيرانيين.
أما الإمارات، فتواجه مشكلة مختلفة، إذ إن علاقاتها وتحالفاتها الإقليمية المتزايدة تجعل من الصعب عليها الحفاظ على المسافة السياسية اللازمة للوساطة.
وتتجاوز أزمة الدور الإماراتي الملف الإيراني، لتشمل صورة أوسع لدولة سعت خلال العقد الماضي إلى ممارسة نفوذ مباشر في الخليج والبحر الأحمر وشمال أفريقيا وملفات سياسية وعسكرية متعددة.
غير أن توسيع الحضور لم يؤد دائماً إلى زيادة القبول السياسي، بل جعل أبوظبي في بعض الأحيان طرفاً في الاستقطابات الإقليمية.
ويخلص التقرير إلى أن المنطقة تشهد تنافساً بين نموذجين مختلفين للقوة؛ نموذج إماراتي يعتمد على الاقتصاد والاستثمارات والشراكات الأمنية والعسكرية والتدخل المباشر، ونموذج قطري يقوم بصورة أكبر على بناء قنوات الاتصال والوساطة بين الأطراف المتناقضة.
ومع أن الإمارات لا تزال قوة اقتصادية وسياسية مؤثرة، فإن قدرتها على شراء النفوذ لا تعني قدرتها على شراء الثقة، وهي الثقة التي تمثل أساس أي دور حقيقي في الوساطة.
ويبدو أن التراجع الأكبر في الدور الإماراتي لا يتعلق بفقدان المال أو العلاقات الدولية، بل بفقدان المساحة السياسية التي تسمح للدولة بأن تكون مقبولة لدى الخصوم في وقت واحد.
وبينما تسعى أبوظبي إلى تثبيت نفسها قطباً مؤثراً في الصراعات الإقليمية، تعمل الدوحة على تقديم نفسها مكاناً يمكن للأقطاب المتنافسة أن تلتقي فيه.
وهذا التحول يضع الإمارات أمام معادلة جديدة: فالتوسع في النفوذ قد يمنح الدولة حضوراً أكبر، لكنه قد يحولها في الوقت نفسه إلى طرف في النزاعات، ويجردها من أهم أدوات القوة الدبلوماسية، وهي ثقة الأطراف المتصارعة.
