أطلقت سلطات دبي حملة تحفيزية واسعة تستهدف المقيمين في دولة الإمارات لتشجيعهم على استقطاب أقاربهم وأصدقائهم لزيارة الإمارة، في محاولة لإنعاش قطاع السياحة الذي يواجه تراجعاً ملحوظاً في أعداد الزوار، وسط تداعيات التوترات الإقليمية وانعكاساتها على حركة السفر والطيران في المنطقة.
وأعلنت دائرة الاقتصاد والسياحة في دبي إطلاق مبادرة “دعوة دبي”، التي تمنح المقيمين مزايا وحوافز تتجاوز قيمتها ثلاثة آلاف درهم إماراتي، أي ما يعادل نحو 610 جنيهات إسترلينية، مقابل دعوة أصدقاء أو أفراد من العائلة لزيارة الإمارة خلال الأشهر المقبلة.
وتتيح المبادرة للمقيمين الحصول على باقات تشمل الإقامة الفندقية، وعروضاً لتناول الطعام، وتذاكر دخول إلى أبرز المعالم السياحية، على أن يستفيد كل مقيم من ثلاث حزم مزايا كحد أقصى، شريطة أن يصل الزوار قبل نهاية أكتوبر المقبل، مع إمكانية استخدام المكافآت حتى شهر ديسمبر.
واشترطت السلطات أن يكون الزائر من غير المقيمين في دولة الإمارات، وأن يدخل البلاد بتأشيرة سياحية سارية المفعول، مع السماح بترشيح كل زائر مرة واحدة فقط ضمن البرنامج.
وتأتي هذه الخطوة في وقت يواجه فيه قطاع السياحة في دبي تحديات متزايدة بعد تراجع حركة المسافرين الدوليين، في ظل التطورات الأمنية التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية، والتي انعكست بصورة مباشرة على حركة الطيران وثقة المسافرين.
وتشير إحصائيات نشرتها صحيفة الغارديان البريطانية إلى أن الإمارة، التي استقبلت خلال عام 2025 قرابة عشرين مليون سائح، بدأت تشهد انخفاضاً ملحوظاً في أعداد الزوار، بعدما دفعت التوترات الإقليمية عدداً من شركات الطيران إلى تقليص رحلاتها أو تعديل مساراتها، فيما فضل كثير من المسافرين تجنب الرحلات العابرة لأجواء الشرق الأوسط.
كما تحدثت تقارير عن تراجع عدد شركات الطيران العاملة في مطارات دبي، في وقت اضطرت فيه بعض الرحلات إلى العودة أو تغيير مساراتها نتيجة المخاوف الأمنية، وهو ما انعكس على نسب الإشغال الفندقي وحركة الأسواق والأنشطة السياحية.
وفي مؤشر على حجم الضغوط التي يواجهها القطاع، بدأت فنادق ومنشآت سياحية إطلاق عروض ترويجية غير مسبوقة، تضمنت خصومات وصلت إلى 45%، إضافة إلى ليالٍ مجانية وباقات إقامة بأسعار مخفضة، في محاولة لاستقطاب الزوار وتعويض التراجع في الحجوزات.
كما اتجهت بعض الفنادق إلى استغلال فترة الركود لتنفيذ أعمال صيانة وتجديد واسعة، ومن بينها فندق برج العرب، الذي أعلن عن خطة إغلاق طويلة لإجراء عمليات تطوير وترميم شاملة.
وأفادت وسائل إعلام محلية بأن برنامج “دعوة دبي” حظي بإقبال كبير منذ إطلاقه، حيث تجاوز عدد طلبات التسجيل عشرة آلاف طلب خلال أول 48 ساعة، في محاولة من السلطات لتنشيط الطلب السياحي عبر الاعتماد على المقيمين بوصفهم سفراء للترويج للإمارة.
وتزامنت هذه التطورات مع تقارير غربية سلطت الضوء على مؤشرات متزايدة لتعرض قطاعي السياحة والضيافة في دبي لضغوط غير مسبوقة، مع تصاعد تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد المحلي.
وسلط تقرير نشرته صحيفة “ديلي ميل” البريطانية الضوء على ظهور حالة تباطؤ في قطاعات كانت تمثل محرك النمو الاقتصادي في الإمارة، وعلى رأسها الفنادق الفاخرة والمطاعم الراقية والاستثمارات العقارية، مشيراً إلى أن آثار الأزمة تجاوزت مجرد تراجع الحجوزات لتثير تساؤلات حول قدرة دبي على الحفاظ على صورتها التقليدية كمركز عالمي آمن للسياحة والأعمال.
ولفت التقرير إلى أن دبي بنت مكانتها الدولية طوال عقود على تقديم نفسها باعتبارها واحة للاستقرار في منطقة مضطربة، مستفيدة من بنيتها التحتية المتطورة ومشروعاتها العملاقة وقطاعها الخدمي المتقدم، إلا أن التطورات الأخيرة دفعت المستثمرين والسياح إلى إعادة تقييم المخاطر المرتبطة بالمنطقة.
ويمتد التحدي الذي تواجهه الإمارة إلى الحفاظ على عنصر الثقة الذي شكل أساس نجاحها الاقتصادي، في ظل تنامي اهتمام المستثمرين بعوامل أمن المجال الجوي واستقرار خطوط الملاحة وحركة التجارة، إلى جانب جودة الخدمات التقليدية.
كما يشير محللون إلى أن الحملات الترويجية والحوافز المالية قد تسهم في الحد من آثار التراجع على المدى القصير، لكنها لا تكفي وحدها لمعالجة المخاوف المرتبطة بالبيئة الإقليمية، والتي أصبحت عنصراً أساسياً في قرارات السفر والاستثمار.
ويؤكد هؤلاء أن قطاع السياحة يعتمد بدرجة كبيرة على الشعور بالأمان والاستقرار، وأن أي تغير في هذه المعادلة ينعكس سريعاً على معدلات الحجوزات وحركة الطيران، وهو ما يدفع الحكومات إلى البحث عن وسائل جديدة للحفاظ على تدفق الزوار.
وفي الوقت نفسه، برزت دعوات داخلية لتشجيع رجال الأعمال والمستثمرين الإماراتيين على زيادة نشاطهم داخل دبي ودعم القطاعات الحيوية، في محاولة للحفاظ على الزخم الاقتصادي وتقليل آثار التباطؤ الذي أصاب بعض الأنشطة المرتبطة بالسياحة والضيافة.
وبينما تؤكد السلطات الإماراتية استمرار قدرتها على الحفاظ على مكانة دبي مركزاً عالمياً للأعمال والسياحة، يرى مراقبون أن المرحلة المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة الإمارة على استعادة ثقة الأسواق الدولية، خاصة في ظل بيئة إقليمية متغيرة أصبحت فيها اعتبارات الأمن والاستقرار عاملاً رئيسياً في قرارات السياح والمستثمرين على حد سواء.
ويعتبر خبراء أن نجاح المبادرات التحفيزية الجديدة سيظل مرتبطاً بعودة حركة الطيران إلى مستوياتها الطبيعية وتراجع المخاوف الأمنية، إلى جانب قدرة القطاع السياحي على استعادة معدلات الإشغال السابقة، بما يعيد للإمارة الزخم الذي جعلها واحدة من أبرز الوجهات السياحية والاقتصادية في المنطقة خلال العقود الماضية.
