كشفت أزمة التدفق الجماعي للمهاجرين من المغرب إلى مدينة سبتة عن أبعاد سياسية وإقليمية تجاوزت حدود الملف الإنساني، بعدما سلطت الضوء على تشابك ملفات الهجرة والحدود والدبلوماسية والتحالفات الإقليمية، في ظل تنامي العلاقات الاستراتيجية بين الإمارات والمغرب وإسرائيل.
وبدأت الأزمة بعبور عشرات الآلاف من المهاجرين إلى الجيب الإسباني سرعان ما تحولت إلى أزمة سياسية وأمنية ألقت بظلالها على الأمن القومي الإسباني، وسياسات الاتحاد الأوروبي الخاصة بالهجرة، كما أعادت فتح النقاش حول استخدام الحدود والهجرة كورقة ضغط في الصراعات الإقليمية.
وعبر نحو 60 ألف شخص من الأراضي المغربية إلى سبتة خلال أيام قليلة، بينهم آلاف الأطفال، حيث تمكن كثير منهم من الوصول سباحةً عبر البحر أو من خلال مناطق حدودية بدت الرقابة فيها أقل من المعتاد، بينما لقي عشرات الأشخاص مصرعهم أثناء محاولات العبور.
وأثار الحجم غير المسبوق للتدفق تساؤلات واسعة داخل إسبانيا بشأن الكيفية التي تمكن بها هذا العدد الكبير من الأشخاص من عبور واحدة من أكثر الحدود تشديداً للمراقبة بين إفريقيا والاتحاد الأوروبي.
ورغم نفي السلطات المغربية تسهيل عمليات العبور، أبرز تقرير تحليلي لمنصة “دارك بوكس” الاستخبارية، أن مسؤولين وباحثين ومعلقين إسبان شككوا في إمكانية حدوث هذه الحركة الجماعية دون حدوث تراجع مؤقت على الأقل في مستوى الرقابة الأمنية المغربية على الحدود.
ونبه التقرير إلى أن هذه الشكوك تستند إلى سابقة مماثلة وقعت عام 2021، عندما دخل آلاف المهاجرين مدينة سبتة خلال أزمة دبلوماسية بين الرباط ومدريد على خلفية ملف الصحراء الغربية، حيث اتهمت السلطات الإسبانية آنذاك المغرب باستخدام ملف الهجرة كورقة ضغط سياسية، بينما ربط مسؤولون مغاربة تخفيف الإجراءات الحدودية بالخلافات السياسية مع إسبانيا.
وأوضح التقرير أن أزمة عام 2026 بدت امتداداً لذلك النمط، ولكن بحجم أكبر بكثير، مشيرا إلى أن التدخل الإسرائيلي السريع منح الأزمة بعداً إقليمياً، بعدما خرج سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة داني دانون بتصريحات هاجم فيها الحكومة الإسبانية، واتهم مدريد بالاحتفاظ بجيوب استعمارية في إفريقيا، في إشارة إلى سبتة ومليلية، كما سخر من تعاملها مع أزمة الهجرة.
واعتبر التقرير أن توقيت هذه التصريحات كان لافتاً، خاصة بعد الانتقادات الإسبانية المتكررة للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، واعتراض مدريد على جوانب من المواجهة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية مع إيران.
وأضاف أن مسؤولين وسياسيين وإعلاميين إسبان رأوا في تصريحات دانون محاولة لاستغلال أزمة سبتة للضغط على الحكومة الإسبانية بسبب مواقفها من السياسة الإسرائيلية.
ونقل التقرير عن وزير النقل الإسباني أوسكار بوينتي قوله إن التطورات أصبحت “واضحة تماماً”، في حين اعتبر عدد من الشخصيات السياسية والإعلامية الإسبانية أن إسرائيل سعت إلى توظيف الأزمة لإحراج مدريد.
وأكد التقرير أن هذه المواقف لا تثبت أن إسرائيل شاركت في التخطيط لعمليات العبور، لكنها تظهر أنها سارعت إلى استثمار الأزمة سياسياً لمهاجمة الحكومة الإسبانية.
ورأى التقرير أن المغرب يمثل الطرف الأكثر تأثيراً من الناحية العملياتية بحكم سيطرته على الأراضي المحيطة بسبتة، التي تضم منظومة متكاملة من الأسوار وأنظمة المراقبة والدوريات الأمنية.
وأشار إلى أن عبور عشرات الآلاف من الأشخاص عبر هذه الحدود يثير تساؤلات بشأن حدوث خلل أو تعليق أو تراجع في مستوى الرقابة، رغم تأكيد الرباط أن عمليات العبور تمت رغماً عنها.
وأضاف أن الأزمة جاءت أيضاً في ظل توترات بين المغرب وإسبانيا تتعلق بملفات الصحراء الغربية والعلاقات مع الجزائر وسياسات الطاقة، وهو ما زاد من الشكوك حول الخلفيات السياسية لما حدث.
ولفت التقرير إلى أن المغرب استخدم في السابق ورقة الهجرة كورقة تفاوض مع الحكومات الأوروبية، معتبراً أن تخفيف القيود الحدودية، ولو لفترة قصيرة، يمكن أن يخلق أزمة إنسانية وسياسية مباشرة داخل الاتحاد الأوروبي، وهو ما يمنح الرباط نفوذاً يتجاوز حدود سبتة نفسها.
وأوضح التقرير أن المعلومات المتاحة لا تقدم أدلة موثقة على إصدار الإمارات أوامر مباشرة أو إدارتها لعمليات العبور، لكنه اعتبر أن دور أبوظبي يظل محورياً لفهم البيئة الاستراتيجية التي تطورت فيها الأزمة.
وأشار إلى أن الإمارات بنت خلال السنوات الأخيرة علاقات سياسية واقتصادية وأمنية واستخباراتية وثيقة مع كل من المغرب وإسرائيل، وأن اتفاقيات التطبيع لم تقتصر على إقامة علاقات دبلوماسية، بل أسست لشبكة تعاون تشمل الدفاع، والاستخبارات، والاستثمارات، وتكنولوجيا المراقبة، والأمن السيبراني، والمصالح السياسية المشتركة.
وأضاف أن استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية جاء ضمن مسار التطبيع الذي دعمت الإمارات ترسيخه، قبل أن يتوسع التعاون بين الرباط وتل أبيب ليشمل مجالات حساسة مثل الاستخبارات، والتكنولوجيا العسكرية، والدفاع الجوي، والحرب الإلكترونية.
كما أشار التقرير إلى أن الإمارات واصلت دعم علاقاتها مع المغرب، ومساندة طموحاته الإقليمية، بما جعلها، بحسب التقرير، تشكل ضلعاً رئيسياً في مثلث استراتيجي يربط الخليج وشمال إفريقيا وإسرائيل.
ورأى التقرير أن هذا التقارب منح الأطراف الثلاثة مصالح متداخلة، إذ تسعى إسرائيل إلى ممارسة ضغوط على إسبانيا بسبب مواقفها من الحرب في غزة، بينما يسعى المغرب إلى تعزيز موقعه في الملفات المرتبطة بالصحراء الغربية والعلاقات مع الجزائر، في حين تستفيد الإمارات من توسيع شبكة التحالفات التي تشكلت بعد اتفاقيات التطبيع.
وأوضح التقرير أن دور الإمارات يُفهم بوصفه دوراً هيكلياً في بناء هذا التحالف، وليس بوصفه دوراً تنفيذياً مباشراً في أزمة العبور نفسها.
وأشار التقرير إلى أن أبرز ما كشفت عنه الأزمة هو تحول الهجرة إلى أداة ضغط جيوسياسية، بعدما أصبحت حركة آلاف المهاجرين جزءاً من مواجهة سياسية بين الدول.
وأضاف أن المغرب امتلك عنصر الضغط الحدودي، بينما استثمرت إسرائيل الأزمة سياسياً في مواجهة إسبانيا، في حين ساهمت الإمارات في بناء منظومة التحالف الإقليمي التي عززت التنسيق بين الرباط وتل أبيب.
وأكد التقرير أن ذلك لا يعني وجود غرفة عمليات مشتركة أو قيادة موحدة لإدارة الأزمة، لكنه يعكس تقاطعاً في المصالح سمح للأزمة بخدمة أهداف سياسية متعددة في الوقت نفسه.
ورأى التقرير أن الأزمة كشفت أيضاً هشاشة الموقف الأوروبي، بعدما شددت فرنسا إجراءاتها الحدودية مع إسبانيا، وهددت إيطاليا باتخاذ إجراءات مرتبطة بعضوية مدريد في نظام شنغن، ما أدى إلى انتقال الأزمة سريعاً من سبتة إلى داخل الاتحاد الأوروبي.
واختتم التقرير بالتأكيد على أن الأدلة المتوفرة تثبت سيطرة المغرب على الحدود، واستثمار إسرائيل السياسي للأزمة، والدور الذي لعبته الإمارات في بناء إطار التطبيع الذي عزز التعاون بين الرباط وتل أبيب، لكنها لا تثبت وجود أوامر إماراتية مباشرة أو خطة تشغيلية مشتركة لإدارة عمليات العبور.
وأشار إلى أن غياب دليل على وجود قيادة عملياتية مشتركة لا ينفي، بحسب التقرير، أن العلاقات المتنامية بين الإمارات والمغرب وإسرائيل أسهمت في تشكيل بيئة سياسية سمحت بتحول أزمة حدودية إلى مواجهة دبلوماسية أوسع، محذراً من أن استمرار هذا المسار قد يجعل طرق الهجرة وحدود البحر المتوسط أدوات دائمة للضغط السياسي والتنافس الإقليمي.
