موقع إخباري يهتم بفضائح و انتهاكات دولة الامارات

تحقيق: الإمارات توسّع نفوذها داخل اليمين البريطاني

توظف ملف الإسلاميين لكشب النفوذ وتلميع صورتها الحقوقية

500

كشف تحقيق عن تنفوذ متزايد لدولة الإمارات داخل اليمين البريطاني المتطرف ممثلا بحزب الإصلاح بزعامة نايجل فاراج، في علاقة تتجاوز المصالح الاقتصادية لتشمل تقاطعاً سياسياً واضحاً في ملفات الهجرة والإسلام السياسي والسياسة الخارجية.

وأبرز تحقيق نشره موقع “ميدل إيست آي” البريطاني، نهج الإمارات في استخدام أبوظبي نفوذها المالي والدبلوماسي والإعلامي لبناء علاقات مع قوى يمينية صاعدة في الغرب وتخفيف الضغوط المرتبطة بسجلها في مجال حقوق الإنسان.

وأشار التحقيق إلى تحول لافت في موقف فاراج نفسه، بعدما كان قد انتقد الإمارات بشدة في ديسمبر 2023، ووصفها بأنها “ملكية مطلقة ذات سجل سيئ للغاية في مجال حقوق الإنسان”، محذراً من مخاطر سيطرة دولة أجنبية على مؤسسات إعلامية بريطانية.

لكن هذا الموقف تبدل بصورة جذرية بعد صعود حزب الإصلاح وتقدمه في استطلاعات الرأي، حيث بات فاراج يظهر في مناسبات إماراتية رفيعة المستوى ويعلن إعجابه بالنموذج الإماراتي.

وأشار التحقيق إلى أن فاراج شارك في يناير 2026 في حفل خاص أقيم في دبي، حضره مسؤولون ورجال أعمال وشخصيات سياسية بريطانية، وألقى خلاله خطاباً أشاد فيه بالإمارات، داعياً إلى الاستفادة من تجربتها، ومعلناً أمام مسؤولين إماراتيين: “لدينا الكثير لنتعلمه منكم”.

كما أشاد بحظر أبوظبي لجماعة الإخوان المسلمين، وقال إن حكومة الإصلاح ستتخذ خطوة مماثلة إذا وصلت إلى السلطة.

ورأى التحقيق أن هذا التحول يندرج في إطار محاولات أبوظبي بناء علاقات مع القوى السياسية الغربية التي يمكن أن تؤثر في مستقبل السياسات الأوروبية والأمريكية.

فقد عقد وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد لقاءً مع فاراج في لندن في مايو 2026، في خطوة اعتبرها التحقيق مؤشراً إلى أن أبوظبي باتت تنظر إلى زعيم الإصلاح باعتباره شخصية سياسية تستحق الاستثمار في علاقتها معها.

وتتوسع شبكة العلاقات لتشمل شخصيات بارزة أخرى داخل حزب الإصلاح، بينهم نائب زعيم الحزب ريتشارد تايس، وأمين الخزانة نيك كاندي، ووزير المالية المحافظ السابق ناظم الزهاوي، إضافة إلى رجال أعمال وإعلاميين مرتبطين باليمين البريطاني.

ونبه التحقيق إلى أن تايس تحدث داخل البرلمان البريطاني في قضايا تتطابق مع روايات إماراتية، خصوصاً بشأن جماعة الإخوان المسلمين والحرب في السودان. كما أبدى إعجابه بالنموذج الإماراتي، فيما ربطت تقارير أخرى مصالح تجارية وشخصية لعدد من الشخصيات اليمينية البريطانية بالإمارات.

وأبرز التحقيق كذلك دور البيئة الإعلامية اليمينية في تعزيز هذه العلاقة، إذ إن قناة “GB News”، التي يعمل فاراج فيها مذيعاً، أقامت فعالية في دبي، بينما ترتبط شركات ومستثمرون مقيمون في الإمارات بجهات إعلامية ومراكز أبحاث لها صلات باليمين البريطاني.

وكشف التحقيق أن الانجذاب المتبادل لا يتعلق بالاقتصاد والهجرة فقط، بل يمتد إلى رؤية سياسية مشتركة تجاه المسلمين والإسلام السياسي. فقد استلهم حزب الإصلاح من نموذج الإمارات في التعامل مع الهجرة، وطرح نظاماً أكثر تشدداً للإقامة والعمل، مستنداً إلى قواعد الإقامة الإماراتية الصارمة.

وفي المقابل، تستخدم أبوظبي ملف جماعة الإخوان المسلمين منذ سنوات كأداة رئيسية في سياستها الداخلية والخارجية، بحسب ما ينقله التحقيق عن باحثين ومنظمات حقوقية.

ويقول الباحث جوي شيا من منظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية الدولية، إن استخدام “جماعة الإخوان المسلمين كمصطلح شامل للتطرف لتبرير قمع المعارضة السلمية” يمثل جزءاً من استراتيجية إماراتية تشكلت بعد الربيع العربي.

وأشار التحقيق إلى أن أبوظبي حاولت سابقاً الدفع باتجاه حظر جماعة الإخوان المسلمين في بريطانيا، كما اتهمت منظمات وشخصيات بارتباطها بالجماعة.

وفي عام 2023، كُشف عن دفع الإمارات أموالاً لشركة استخبارات خاصة مقرها جنيف بهدف تشويه سمعة منظمة الإغاثة الإسلامية العالمية ومحاولة ربطها بالإخوان المسلمين.

ولفت التحقيق إلى أن الإمارات حظرت في 2025 ثماني منظمات بريطانية، بزعم ارتباطها بجماعة الإخوان المسلمين، بينما خلصت منظمة هيومن رايتس ووتش إلى أن الشركات الثماني كانت مسجلة في بريطانيا ومرتبطة بمعارضين إماراتيين منفيين أو أقاربهم.

ويضع هذا المسار العلاقة مع حزب الإصلاح في سياق أوسع يتعلق بسجل الإمارات الحقوقي.

وينقل التحقيق عن شيا توثيق منظمات حقوق الإنسان “انتهاكات واسعة النطاق لحقوق العمال” في الإمارات، إلى جانب مخاوف من ظروف قد تصل إلى العمل القسري، فضلاً عن حظر النقابات وغياب الحقوق السياسية لقطاع واسع من السكان.

وتكشف هذه المعطيات مفارقة أساسية في العلاقة الجديدة: حزب بريطاني يرفع شعارات التشدد تجاه الهجرة والمسلمين يجد نموذجاً يحتذي به في دولة يشكل المهاجرون غالبية سكانها، بينما تسعى الدولة الخليجية إلى توظيف علاقاتها مع اليمين الغربي لتقديم نفسها باعتبارها نموذجاً للاستقرار والتسامح والاعتدال.

وأشار التحقيق إلى أن هذه العلاقة تمنح أبوظبي منفذاً سياسياً وإعلامياً داخل دوائر لا تستطيع الحكومة الإماراتية الوصول إليها بسهولة.

وقال أندرياس كريج، الأستاذ المشارك في الدراسات الدفاعية في كلية كينغز كوليدج لندن، إن فاراج يستطيع نقل روايات إلى الشبكات الأمريكية والأوروبية “لا تستطيع الحكومة الإماراتية اختراقها بشكل موثوق”، واصفاً ذلك بأنه جزء من “السياسة الإماراتية الكلاسيكية التي تتمحور حول الشبكات”.

وخلص التحقيق إلى أن التقارب بين أبوظبي وحزب الإصلاح لم يعد مجرد علاقة عابرة بين سياسيين ورجال أعمال، بل أصبح شبكة مصالح سياسية واقتصادية وإعلامية تتوسع تدريجياً.

وفي الوقت الذي يسعى فيه فاراج إلى تقديم نفسه باعتباره رجل دولة قادراً على التواصل مع العواصم الخليجية والمستثمرين الدوليين، تجد الإمارات في صعود اليمين البريطاني فرصة لتوسيع نفوذها وإعادة صياغة صورتها في الغرب.

وتبرز هنا المفارقة الأشد: فبينما تواجه الإمارات انتقادات متواصلة بشأن الحريات السياسية وحقوق العمال ومعاملة المعارضين، تبدو علاقاتها المتنامية مع اليمين البريطاني وسيلة لتقديم نموذجها السياسي باعتباره وصفة للانضباط والأمن والاستقرار.

وفي المقابل، يجد حزب الإصلاح في أبوظبي نموذجاً جاهزاً لبعض السياسات التي يروج لها، خصوصاً في الهجرة والإقامة والتعامل المتشدد مع الإسلاميين.

وأكد التحقيق أن النتيجة النهائية تتمثل في مشهد سياسي غير مألوف: زعيم يميني بريطاني يكرر أجزاء أساسية من خطاب دولة خليجية سلطوية، فيما تستثمر تلك الدولة في علاقاته وشبكاته داخل الغرب، في تقاطع يكشف كيف يمكن للمال والنفوذ والعلاقات السياسية أن تتحول إلى أدوات لإعادة تعريف صورة الأنظمة المثيرة للانتقاد الحقوقي، وتحويل خصومها ومواقفها من الإسلام السياسي إلى جسور جديدة مع اليمين الأوروبي.