موقع إخباري يهتم بفضائح و انتهاكات دولة الامارات

أزمة قيادة في الإمارات.. ارتباك سياسي وإعلامي يكشف تخبط النظام

574

يتابع الإماراتيون في خضم حرب مستمرة في الخليج حالة ارتباك سياسي وإعلامي داخل النظام في أبوظبي ويتساءلون في مجالسهم الخاصة عن طريقة إدارة الدولة للعلاقات مع إيران، وكيف يصورهم ضحية لـ”حملات إعلامية” بينما تتضارب الرسائل والقرارات المعلنة رسميا.

وبرز التناقض بشكل فاضح بعد أن أعلنت وزارة الخارجية الإماراتية وقف جميع الأنشطة والتبادلات التجارية والمعاملات المالية مع إيران حتى إشعار آخر، قبل أن تعود الوزارة نفسها بعد ساعات لتنفي ما وصفته بـ”الادعاءات” المتعلقة بوضع العلاقة الاقتصادية مع طهران.

وقد أثار هذا التراجع تساؤلات واسعة؛ كون الحديث لم يصدر عن تسريب مجهول أو معلومة من مصدر غير رسمي، بل عن قرار أعلنته الجهة الرسمية نفسها، قبل أن تتحول الرواية في اليوم التالي إلى نفي للحديث المتداول بشأن العلاقة الاقتصادية.

وعلق ناشط إماراتي معارض بأنه يمكن لأي دولة أن تغير قراراً أو تتراجع عنه أو تعلن أن صياغة بيان سابق أسيء فهمها، لكن إعلان خطوة رسمية ثم التعامل مع الحديث عنها لاحقاً بوصفه “ادعاءات” يكشف أزمة أعمق من مجرد خطأ في الصياغة ويعكس ارتباكاً في إدارة الرواية السياسية نفسها.

 

الصورة

الصورة

 

في المقابل تحاول أبوظبي تصدير صورة مختلفة تقوم على أنها تتعرض لحملات منظمة ومؤامرات إعلامية.

فقد نفى المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات أنور قرقاش ما تردد بشأن إلغاء إقامات عمالة أو تقديم تسهيلات مالية لإيران، واعتبر أن ما يجري تداوله جزء من “حملات إعلامية يائسة” تستهدف الدولة في ظل التطورات الإقليمية.

وقال قرقاش إن بعض المنصات “الموجهة” تنشر معلومات غير صحيحة، مؤكداً أن الإمارات تركز على التعامل مع تطورات المنطقة والاستعداد للمرحلة المقبلة.

لكن المشكلة بالنسبة إلى أبوظبي تقوم على تناقض الرسائل الرسمية نفسها. فالنظام الذي يطالب الآخرين بالتدقيق في المعلومات يضع شعبه أمام قرارات وإعلانات متضاربة بشأن واحد من أخطر الملفات، وهو شكل العلاقة الاقتصادية والمالية مع إيران.

ويأتي ذلك في وقت يتزايد فيه الضغط الأمريكي على الإمارات لاتخاذ خطوات أكثر صرامة ضد الشبكات الاقتصادية والمالية الإيرانية العاملة على أراضيها، ولا سيما في دبي التي تحولت خلال سنوات طويلة إلى واحدة من أهم البوابات التجارية والمالية المرتبطة بالاقتصاد الإيراني.

وبحسب ما أوردته صحيفة “وول ستريت جورنال”، مارست إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضغوطاً متواصلة على أبوظبي لتشديد الإجراءات ضد الكيانات الإيرانية والشبكات المرتبطة بالحرس الثوري، وسط تقديرات أمريكية بأن ضرب التدفقات المالية قد يكون أكثر تأثيراً على طهران من الحصار البحري وحده.

وأعلنت الإمارات بالفعل تعليق معاملاتها المالية والاقتصادية مع إيران، لكن مسؤولين إماراتيين، بحسب الصحيفة، تعاملوا مع الخطوة باعتبارها تصعيداً تدريجياً لا قطيعة كاملة، في إشارة إلى رغبة أبوظبي في ترك مساحة للتراجع والحفاظ على قنوات اتصال مع طهران.

وهنا يظهر السؤال الأكثر إحراجاً للنظام الإماراتي: هل تريد أبوظبي فعلاً قطع العلاقات الاقتصادية والمالية مع إيران، أم أنها تخشى كلفة القرار ورد الفعل الإيراني؟.

وتزداد حساسية هذا السؤال بالنظر إلى حجم تشعب العلاقات التجارية والمالية بين الطرفين.

وقبل الحرب، كانت الإمارات أكبر مصدر لواردات إيران، حيث بلغت حصتها أكثر من 30% من إجمالي واردات البلاد، أي ما يقارب 21 مليار دولار أمريكي، في عام 2024، وفقاً لمنظمة التجارة العالمية.

وفي عام 2024، تبين أن 9 مليارات دولار أمريكي مرت عبر حسابات مراسلين مصرفيين أمريكيين مرتبطة بنشاط مالي إيراني سري، حيث تلقت شركات مقرها الإمارات، ومعظمها في دبي، 62% من هذه الأموال، وفقاً لوزارة الخزانة الأمريكية.

وتعني هذه الأرقام أن الانتقال من التهديد بقطع العلاقات إلى تنفيذ قطيعة فعلية ليس مجرد قرار سياسي، بل عملية تمس شبكة واسعة من الشركات والتجارة والتحويلات والوسطاء.

كما تفتح الباب أمام تساؤلات بشأن مدى قدرة أبوظبي على تفكيك هذه الشبكات، خصوصاً في مدينة بنت جانباً كبيراً من قوتها الاقتصادية على سهولة حركة رؤوس الأموال والتجارة الدولية.

ولا يبدو رهان الإمارات على تحالفها الوثيق مع إسرائيل قادراً، حتى الآن، على ترجمة نفسه إلى مكاسب سياسية تحميها من الضغوط أو تمنحها موقعاً مركزياً في إدارة الأزمة الخليجية وهو ما بات يقتنع به كل مواطن إماراتي.

ففي الوقت الذي تتحرك فيه عواصم إقليمية لرسم مسارات التهدئة والتفاوض، تبدو الإمارات أقل حضوراً في دوائر صناعة التسويات وتغيب عن الدائرة التي تتبادل المسودات وتحدد خطوط التحرك الإقليمي، فيما برزت أدوار عُمان وقطر وباكستان بدعم وضغط سعودي.

كما أن الإمارات تظل خارج أي تحالفات إقليمية مثل اتفاق مكة الأخير بين السعودية وتركيا وباكستان وبل وإنها تحاربه إعلاميا وسياسيا.

ولا شك أن كل التراجع الإماراتي الحاصل يرتبط بالتحولات التي طرأت على السياسة الإماراتية منذ التطبيع والتحالف العلني مع إسرائيل، وما أثير عن اتصالات أمنية وسياسية في ملفات مرتبطة بإيران وغيرها.

وبين قرار يعلن وقف التعامل مع إيران ثم نفي الحديث عن طبيعة هذا الوقف، وضغط أمريكي يطالب بمزيد من التشدد، وخشية من رد فعل إيراني، وتراجع الحضور في ترتيبات إدارة الأزمة، تبدو أبوظبي أمام صورة متناقضة لنظام يحاول الظهور أمام شعبه باعتباره لاعباً إقليمياً كبيراً، بينما تكشف الحرب عن محدودية قدرته على إدارة التوازن بين واشنطن وطهران وتل أبيب والعواصم الخليجية.

وتختصر هذه التطورات أزمة أوسع في القيادة الإماراتية: كلما حاول النظام تقديم نفسه باعتباره هدفاً للمؤامرات والحملات الإعلامية، أعادت قراراته المتناقضة إنتاج الأسئلة نفسها حول من يدير السياسة فعلياً ومن يقرر ومن يملك القدرة على تثبيت رواية واحدة في وقت تتزايد فيه عزلة أبوظبي عن دوائر القرار الإقليمي.