يواجه اقتصاد دبي اختباراً متصاعداً مع تحول الحرب والتوتر الأمني المرتبط بإيران من أزمة إقليمية بعيدة نسبياً إلى عامل ضغط مباشر على التجارة والملاحة والثقة الاستثمارية، في وقت أعلنت فيه الإمارات وقف جميع التعاملات التجارية والاقتصادية والمالية مع طهران حتى إشعار آخر.
وبينما تشير التقديرات إلى أن القطاع المصرفي الإماراتي يظل محصناً نسبياً من الصدمة المباشرة، فإن الخطر الأكبر يتركز في الاقتصاد الحقيقي، وخصوصاً في دبي التي بنت جانباً كبيراً من قوتها على دورها كمركز للتجارة وإعادة التصدير والخدمات والسياحة والمال.
وقالت وزارة الخارجية الإماراتية في 19 أغسطس/آب إن جميع التجارة والتبادل التجاري والمعاملات المالية مع إيران جرى تعليقها في ضوء التصعيد الإقليمي، مؤكدة أن القرار يستمر حتى إشعار آخر. وجاء ذلك بعد تجدد التوتر إثر ما قالت أبوظبي إنه إطلاق صاروخين باليستيين باتجاه أراضيها، فيما نفت إيران مسؤوليتها عن الهجمات.
وبحسب تقرير نشرته The Banker للكاتب جون إيفيرينغتون، فإن تعليق العلاقات التجارية لا يمثل في حد ذاته الخطر الأكبر على البنوك الإماراتية، لكنه يخلق ما وصفه التقرير بـ”بيئة أمنية متدهورة” يمكن أن تفرض ضغوطاً أوسع على ثاني أكبر اقتصاد في الشرق الأوسط.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة بالنسبة إلى دبي، التي شكلت لعقود بوابة اقتصادية رئيسية لإيران. فجزء كبير من السلع التي تصل إلى السوق الإيرانية يمر عبر الإمارات في صورة تجارة إعادة تصدير، سواء من خلال تجار الجملة أو شركات تابعة لجهات إيرانية تقوم بشراء المنتجات داخل الدولة ثم إعادة شحنها.
وكانت الإمارات أحد أهم الشركاء التجاريين لإيران، فيما أشارت تقديرات اقتصادية إلى أن أكثر من 30% من واردات إيران خلال عام 2024 ارتبطت بالإمارات، بصورة مباشرة أو عبر عمليات إعادة التصدير. وهذا يعني أن تجميد هذه العلاقة لا يضرب إيران وحدها، بل يقطع أيضاً جزءاً من شبكة تجارية نشطة ارتبطت بدبي على مدى سنوات.
وتظهر أهمية قطاع إعادة التصدير في الاقتصاد الإماراتي من خلال بلوغه 734.4 مليار درهم خلال عام 2024، وفق بيانات رسمية، ما يجعل أي اضطراب طويل في طرق التجارة أو الممرات البحرية عاملاً حساساً بالنسبة إلى الاقتصاد، حتى لو كان حجم التجارة المباشرة مع إيران محدوداً مقارنة بإجمالي التجارة الخارجية الإماراتية.
لكن المفارقة أن البنوك الإماراتية تبدو أقل عرضة للخطر المباشر. ويعزو خبراء هذا الأمر إلى التغير الكبير الذي شهدته البيئة الرقابية والمصرفية الإماراتية في السنوات الأخيرة، بعد تشديد إجراءات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والالتزام بالعقوبات الدولية.
وكانت الإمارات قد أُدرجت عام 2022 على “القائمة الرمادية” لمجموعة العمل المالي FATF، قبل أن تُرفع عنها في فبراير/شباط 2024 بعد سلسلة إصلاحات واسعة في منظومة الرقابة المالية.
كما واصلت الدولة منذ ذلك الحين تشديد الرقابة على المعاملات عالية المخاطر، بما في ذلك المعاملات المرتبطة بإيران، التي لا تزال مدرجة لدى FATF ضمن الولايات القضائية عالية المخاطر.
ولهذا يرى آدم هولدستوك، الاقتصادي المقيم في دبي لدى Oxford Economics، أن توقف العلاقات التجارية مع إيران لن يضيف على الأرجح مخاطر كبيرة جديدة إلى القطاع المصرفي الإماراتي، لأن الانكشاف الرسمي للبنوك على الاقتصاد الإيراني تقلص بالفعل خلال السنوات الماضية.
غير أن هذا لا يعني أن الاقتصاد في مأمن من التداعيات. فالتهديد الأوسع يتمثل في استمرار حالة عدم اليقين الأمني.
فقد شهدت الإمارات خلال الأشهر الماضية هجمات وإنذارات مرتبطة بالصراع، فيما تعرضت منشآت ومناطق اقتصادية لضغوط أمنية دفعت مؤسسات مالية وشركات إلى تطبيق ترتيبات للعمل عن بعد في بعض الفترات. كما تضررت حركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، وتعرضت سفن مرتبطة بشركة أدنوك لتهديدات وهجمات خلال الأزمة.
وهنا تكمن نقطة الضعف بالنسبة إلى دبي: فاقتصاد الإمارة لا يعتمد فقط على البنوك، بل على حركة مستمرة من المسافرين والتجار والسياح ورجال الأعمال والشحن البحري والجوي والاستثمارات الدولية.
ويكفي، وفق أحد المتخصصين الماليين الذين نقل عنهم تقرير The Banker، تكرار الإنذارات أو التهديدات الأمنية بصورة دورية لإحداث أثر سلبي في الاقتصاد، خصوصاً إذا بدأت الشركات والعائلات والمستثمرون في التعامل مع الوضع بوصفه حالة طويلة الأمد بدلاً من أزمة مؤقتة.
وتزداد المخاطر مع تعثر المسار السياسي للحرب، إذ لم يعد التهديد مقتصراً على المواجهة العسكرية.
فقد انتقلت واشنطن أيضاً إلى تصعيد الضغط الاقتصادي، وحذرت من احتمال استهداف الدول والجهات التي تواصل التعامل مع إيران، في خطوة تضع الإمارات ودبي تحت مراقبة إضافية نظراً إلى الدور التاريخي للإمارة كمركز تجاري ومالي قريب من إيران.
ومع ذلك، فإن الصورة ليست قاتمة بالكامل. فقد أكد صندوق النقد الدولي في يوليو/تموز أن الاقتصاد الإماراتي أظهر قدرة ملحوظة على الصمود أمام تداعيات الصراع، مستفيداً من الاحتياطيات المالية وقوة الميزانيات الحكومية وإعادة توجيه بعض تدفقات التجارة والنفط، مع استمرار الفوائض المالية والخارجية.
لكن التحدي الحقيقي أمام دبي لم يعد فقط حجم الخسائر المباشرة الناتجة عن وقف التجارة مع إيران، بل السؤال الأوسع: إلى متى تستطيع الإمارة الحفاظ على صورتها كمركز آمن ومستقر للأعمال في منطقة أصبحت التهديدات الصاروخية واضطراب الملاحة والعقوبات الاقتصادية جزءاً من واقعها اليومي؟.
فالقطاع المصرفي قد يكون محمياً من الصدمة المباشرة، لكن اقتصاد دبي الأوسع يبقى أكثر حساسية. وكلما طال التدهور الأمني حول إيران والخليج، ارتفعت كلفة التأمين والشحن، وتراجعت الثقة، وتأثرت السياحة والاستثمار والتجارة؛ وهي جميعاً ركائز أساسية للنمو الذي جعل من دبي مركزاً اقتصادياً عالمياً.
