أثار الكشف عن وثيقة مسربة بشأن تفاهمات أمنية غير معلنة بين الإمارات وإيران، تساؤلات متزايدة بشأن طبيعة السياسة الإقليمية لأبوظبي، في ظل اتهامات باتباع مسارات متناقضة بين التحالفات العلنية والتحركات الدبلوماسية خلف الكواليس خلال فترات التصعيد.
وأظهر تقرير استقصائي نشرته منصة “دارك بوكس” الاستخبارية، أن مسؤولين إماراتيين وإيرانيين كبارا أجروا اتصالات أمنية مباشرة بهدف التوصل إلى ترتيبات منفصلة لخفض التصعيد، بالتزامن مع ارتفاع احتمالات توسع المواجهة الإقليمية المرتبطة بإيران وإسرائيل والولايات المتحدة.
وبحسب التقرير، فإن أهمية هذه الاتصالات لا ترتبط بحدوث الحوار نفسه، إذ تلجأ الدول عادة إلى قنوات اتصال خلال الأزمات، لكنها تكمن في التوقيت والفجوة بين الخطاب السياسي العلني للإمارات والتحركات التي جرت بعيدا عن الأضواء.
وأشار التقرير إلى أن أبوظبي، التي قدمت نفسها خلال السنوات الماضية باعتبارها شريكا رئيسيا ضمن ترتيبات أمنية إقليمية مدعومة أمريكيا، سعت في الوقت ذاته إلى بناء قنوات منفصلة لحماية مصالحها الاقتصادية والأمنية في حال خروج التصعيد عن السيطرة.
وتكشف المعلومات عن اعتماد الإمارات سياسة تقوم على مسارين متوازيين؛ الأول يتمثل في إظهار الالتزام بالتحالفات الإقليمية والتعاون الأمني المتزايد مع إسرائيل والولايات المتحدة، والثاني يرتبط بالسعي للحصول على ضمانات تقلل تأثير أي مواجهة عسكرية محتملة على الداخل الإماراتي.
ويرى مراقبون أن هذه المقاربة تعكس محاولة أبوظبي الحفاظ على أكبر قدر من النفوذ الإقليمي مع تقليل مستوى المخاطر التي يمكن أن تتحملها بشكل مباشر عند اندلاع الأزمات.
ووفق المعلومات المسربة، أعطى صناع القرار في الإمارات الأولوية لحماية الاقتصاد المحلي ومراكز المال والتجارة والاستثمار، مع تصاعد المخاوف من أن يؤدي أي صراع واسع إلى إلحاق أضرار مباشرة بالنموذج الاقتصادي للدولة.
وتعتمد الإمارات بصورة كبيرة على قطاعات شديدة الحساسية للاستقرار، من بينها النقل الجوي والسياحة والخدمات المالية والتجارة العالمية والطاقة، وهي قطاعات يمكن أن تتأثر بسرعة في حال حدوث اضطراب أمني طويل الأمد.
وأشار التقرير إلى أن أبوظبي تعاملت مع الاتصالات السرية باعتبارها “سياسة تأمين” تهدف إلى حماية مصالحها الحيوية بغض النظر عن اتجاه الأزمة الإقليمية أو مواقف الحلفاء الآخرين.
وتعيد هذه التسريبات طرح نقاش أوسع بشأن استراتيجية الإمارات الخارجية التي تقوم على بناء علاقات متعددة مع أطراف متنافسة، ومحاولة الحفاظ على قنوات مفتوحة مع قوى متعارضة في الوقت نفسه.
ويرى منتقدو السياسة الإماراتية أن هذه الطريقة تمنح أبوظبي مرونة دبلوماسية واسعة لكنها تثير تساؤلات لدى بعض الشركاء بشأن مدى ثبات التزاماتها الاستراتيجية في أوقات الأزمات.
وتشير التحليلات إلى أن الإمارات خلال السنوات الأخيرة وسعت حضورها في ملفات إقليمية متعددة، معتمدة على أدوات اقتصادية وسياسية وأمنية لتعزيز نفوذها، لكنها غالبا ما حاولت تجنب تحمل التكلفة المباشرة للتوترات التي تنتج عن تلك الملفات.
وبحسب التقرير، فإن التفاهم المسرب مع إيران يعكس نمطا متكررا في السياسة الخارجية الإماراتية يقوم على توسيع النفوذ والمشاركة في تشكيل التوازنات الإقليمية، مقابل البحث عن مخارج منفصلة عندما تبدأ المخاطر بالتصاعد.
وتأتي أهمية هذه التطورات في ظل تعميق الإمارات تعاونها الأمني مع إسرائيل بعد اتفاقات التطبيع، ومشاركتها في مبادرات أمنية إقليمية مرتبطة بإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط.
لكن الكشف عن وجود مسار مواز للتواصل مع إيران أثار تساؤلات حول مدى تماسك هذه الاستراتيجية، خاصة لدى الأطراف التي تنظر إلى طهران باعتبارها التحدي الأمني الرئيسي في المنطقة.
ويرى محللون أن السياسة الإماراتية تعتمد بشكل متزايد على مبدأ المرونة القصوى، عبر تجنب القطيعة الكاملة مع الخصوم والحفاظ على مصالح اقتصادية مع مختلف الأطراف.
غير أن هذا النهج يواجه انتقادات بسبب ما يعتبره معارضوه محاولة للحصول على مكاسب التحالفات دون تحمل كامل تبعاتها السياسية والأمنية.
وتشير التسريبات الأخيرة إلى أن أبوظبي باتت أمام اختبار يتعلق بقدرتها على الاستمرار في هذه السياسة دون الإضرار بمستوى الثقة مع شركائها الإقليميين والدوليين.
ويؤكد مراقبون أن السؤال الرئيسي لم يعد مرتبطا بحجم النفوذ الذي تسعى الإمارات لبنائه، بل بقدرتها على المحافظة عليه في ظل تزايد الشكوك حول التناقض بين مواقفها المعلنة وحساباتها السرية خلال الأزمات.
