موقع إخباري يهتم بفضائح و انتهاكات دولة الامارات

الإمارات تعيد بناء نفوذها في البحر الأحمر عبر إريتريا وسط صراع متصاعد مع السعودية

801

قلّصت دولة الإمارات بشكل كبير مشاركتها العسكرية المباشرة في اليمن، لكنها لم تتخلَّ عن المياه الاستراتيجية المحيطة به، في وقت تسعى فيه السعودية إلى ترسيخ وجودها في اليمن، بينما يوسع الحوثيون نطاق نفوذهم على طول ساحل البلاد على البحر الأحمر.

ويتجه الصراع بصورة متزايدة إلى ما وراء الأراضي اليمنية، نحو الموانئ والجزر والقواعد والمنافذ المحيطة بباب المندب، فيما تبرز إريتريا باعتبارها نقطة استراتيجية مهمة بسبب ساحلها الطويل على البحر الأحمر وقربها من اليمن.

وقد مارست الإمارات، ضغوطاً كبيرة في واشنطن لرفع العقوبات الأمريكية المفروضة على مؤسسات ومسؤولين إريتريين رئيسيين، حيث اعتبرت أبوظبي الانفتاح على أسمرة جزءاً من مسعى أوسع لاستعادة نفوذها الاستراتيجي على الساحل الأفريقي للبحر الأحمر، بعد تقليص وجودها العسكري المباشر في اليمن.

وتتجاوز الحسابات الإماراتية، مجرد استعادة العلاقات مع إريتريا، لتشمل الحفاظ على نفوذ مستقل حول البحر الأحمر وباب المندب، في وقت تؤدي فيه السعودية دوراً أكبر في اليمن وتسعى إلى تعزيز تحالفها المناهض للحوثيين حول الرياض.

ورفعت الولايات المتحدة الحظر المفروض على القوات المسلحة الإريترية، والجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة الحاكمة، وشركة البحر الأحمر التجارية، وشخصيات اقتصادية بارزة، من بينهم هاغوس جبرهيويت.

وكانت هذه القيود قد فُرضت عام 2021، عندما استهدفت إدارة بايدن جهات إريترية بسبب تورطها إلى جانب القوات الفيدرالية الإثيوبية خلال حرب تيغراي.

وجاء رفع الحظر عقب انتهاء حالة الطوارئ الوطنية التي استند إليها إطار العقوبات، بما وفر مبرراً قانونياً وإدارياً لتحرك واشنطن، إلا أن القرار جاء في سياق استراتيجي مختلف، بعدما انتهت حرب تيغراي وأصبح البحر الأحمر أحد أكثر مناطق النزاع الأمني أهمية بين الشرق الأوسط وأفريقيا.

عصب.. قاعدة كشفت حسابات أبوظبي

تكتسب إريتريا أهمية خاصة بالنسبة لأبوظبي بعدما أثبتت الإمارات قدرتها على تحويل موقعها الجغرافي إلى نفوذ إقليمي.

ومنذ بدء التدخل في اليمن، طورت الإمارات قاعدة عصب لتصبح منصة عسكرية ولوجستية مهمة دعمت العمليات عبر البحر الأحمر، بما أتاح للطائرات والأصول البحرية والخدمات اللوجستية العمل من الساحل الأفريقي وتقديم الدعم للقوات في اليمن.

وكشفت قاعدة عصب لأبوظبي أن النفوذ في الساحة اليمنية لا يتطلب بالضرورة السيطرة على أراضٍ في عمق اليمن، إذ يوفر الوصول الاستراتيجي إلى الساحل المقابل عمقاً عسكرياً ومرونة لوجستية ونفوذاً على الممرات المائية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن.

شبكة إماراتية تحيط بالبحر الأحمر

قلّصت الإمارات لاحقاً وجودها المباشر في عصب وخفضت دورها العسكري المباشر في اليمن، لكن ذلك لا يعني بالضرورة انسحابها من التنافس الاستراتيجي المحيط بالبلاد.

واعتمد النموذج الإماراتي بصورة متزايدة على شبكة من الموانئ والمرافق اللوجستية والجزر والامتيازات التجارية والعلاقات الأمنية المحلية، بدلاً من الانتشار العسكري الدائم واسع النطاق.

ومن عصب إلى بربرة وبوصاصو، ومن خلال العلاقات في جنوب اليمن وحول سقطرى، طورت أبوظبي وصولاً استراتيجياً عبر جانبي خليج عدن ومداخل البحر الأحمر.

وتختلف طبيعة هذه المشاريع بين التجارية والسياسية والأمنية، ولا يمكن التعامل معها جميعاً باعتبارها منشآت عسكرية، إلا أنها مجتمعة تمنح الإمارات شبكة واسعة حول بعض أهم الممرات البحرية في العالم.

صراع النفوذ مع السعودية

تزداد أهمية هذه الشبكة مع اشتداد المنافسة بين الرياض وأبوظبي. فقد دخلت السعودية والإمارات حرب اليمن كشريكتين، لكن أولوياتهما السياسية والاستراتيجية تباينت بصورة متزايدة.

وسعت الرياض إلى حماية حدودها الجنوبية واحتواء الحوثيين والحفاظ على نظام سياسي يمني يتوافق مع أمنها، بينما عززت الإمارات نفوذها لدى حلفاء في الجنوب وعلى الساحل وطورت نفوذها بصورة مستقلة عن الرياض.

ومع تقليص أبوظبي وجودها العسكري المباشر وتزايد تعرض السعودية لتكاليف المواجهة مع الحوثيين، كشف اليمن بصورة متزايدة حدود الشراكة السعودية الإماراتية القديمة.

وأدت التطورات الأخيرة للحوثيين إلى تفاقم هذه الخلافات، إذ بات لدى السعودية حافز قوي لإعادة تنظيم صفوف المعارضة المناهضة للحوثيين وتعزيز مكانتها كقوة عربية رئيسية تشكل المشهد الأمني في اليمن.

أما أبوظبي، فيمثل ذلك معضلة استراتيجية، إذ إن تعزيز الرياض نفوذها السياسي والعسكري في اليمن بالتزامن مع توسيع دورها في أمن البحر الأحمر قد يؤدي إلى تراجع جزء من النفوذ المستقل الذي راكمته الإمارات خلال عقد من التدخل في المنطقة.

ولذلك، تملك أبوظبي حافزاً للحفاظ على شبكة علاقاتها ومنافذها حول اليمن، بدلاً من السماح للبحر الأحمر وباب المندب بأن يصبحا ساحة يهيمن عليها النفوذ السعودي.

إريتريا في قلب الحسابات الإماراتية

تمتلك إريتريا أكثر من ألف كيلومتر من السواحل على البحر الأحمر، وتقع عصب بالقرب من المداخل الجنوبية لباب المندب، فيما يمتد أرخبيل دهلك شمالاً على طول مياه ذات أهمية استراتيجية.

وعلى الجانب الآخر من البحر تقع اليمن، ومع توسع نفوذ الحوثيين على طول الساحل الغربي للبلاد، تكتسب الموانئ والجزر والمطارات على الضفة الأفريقية المقابلة أهمية استراتيجية أكبر.

ولا تحتاج أبوظبي إلى السيطرة الرسمية على البحر الأحمر حتى تتمتع بنفوذ كبير عليه، إذ يتيح الوصول إلى عدد كافٍ من المراكز الاستراتيجية إمكانية المراقبة والإمداد والتأثير التجاري وبناء علاقات سياسية قادرة على تشكيل البيئة البحرية.

ضغوط أبوظبي لإعادة بناء نفوذها

سعت أبوظبي إلى تخفيف القيود المفروضة على أسمرة، لأن عزلة إريتريا دولياً تحد من فرص إعادة بناء العلاقات والوصول الذي تمتعت به الإمارات سابقاً. ويتيح إعادة انخراط إريتريا تدريجياً على المستويين الدبلوماسي والاقتصادي لأبوظبي مساحة أكبر للعودة والتفاوض والمنافسة.

وترتبط جهود الضغط الإماراتية بفهم أوسع لدور أبوظبي المستقبلي في أمن البحر الأحمر وسعيها إلى استعادة نفوذها على طول الممر البحري.

كما أن الضغط الإماراتي لتخفيف العقوبات كان مرتبطاً بتفاهم يمنح أبوظبي مجالاً أوسع لإعادة بناء موقعها على البحر الأحمر.

وتوجد لدى واشنطن، أسبابها الاستراتيجية والقانونية الخاصة لتغيير نهجها تجاه إريتريا. لكن الانفتاح الأمريكي يحدث في لحظة أصبحت فيها جغرافية إريتريا ذات قيمة متزايدة بالنسبة إلى واشنطن وأبوظبي والقوى الإقليمية الأخرى.

وتواجه الإمارات عقبة أخرى تتمثل في أن إريتريا تبدو فاقدة للثقة بشريكها السابق.

وقد اتهم وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح أبوظبي بالسعي وراء ما وصفه بـ”الهيمنة المينائية” في أفريقيا، معترضاً على فكرة أن شبكة الإمارات المتنامية من المصالح المينائية ذات طابع تجاري بحت.

كما أعلن مسؤولون إريتريون أن أسمرة رفضت مقترحاً إماراتياً يتعلق بإنشاء منشأة عسكرية في جزر دهلك للاستخدام المشترك مع إسرائيل بما يعكس نظرة أسمرة إلى طموحات أبوظبي البحرية، حيث باتت الدولة التي كانت توفر للإمارات إحدى أهم منصاتها العسكرية في المنطقة تشكك علناً في نوايا الإمارات.

ويشكل ذلك تناقضاً واضحاً، إذ تحتاج أبوظبي إلى الموقع الجغرافي لإريتريا في الوقت الذي تدهورت فيه علاقتها السياسية مع أسمرة.

ويزيد تدهور الوضع الأمني حول باب المندب من أهمية عصب والساحل الإريتري، إلا أن العودة إلى العلاقة التي كانت سائدة خلال السنوات الأولى من حرب اليمن تبدو صعبة.

وقد يهيئ تخفيف عزلة إريتريا الدولية بيئة دبلوماسية تتيح لأبوظبي فرصاً أكبر لإعادة بناء نفوذها، حتى مع استمرار أسمرة في تجنب التبعية لأي قوة خارجية.

البحر الأحمر يتحول إلى ساحة صراع جديدة

تشكل السعودية جزءاً أساسياً من هذه المعادلة، إذ تشترك الرياض وأبوظبي في مصلحة تأمين الملاحة ومنع القوى المعادية من تهديد البحر الأحمر، لكنهما لا تتفقان بالضرورة على الجهة التي ينبغي لها تشكيل اليمن أو النظام البحري المحيط به.

وتملك السعودية مساحة أكبر بكثير وعدداً سكانياً أكبر وعمقاً استراتيجياً تقليدياً أوسع، بينما عوضت الإمارات صغر حجمها من خلال شبكات الموانئ والجزر والممرات اللوجستية والشركات التجارية والشراكات الأمنية والعلاقات مع الجهات الفاعلة المحلية.

وبدلاً من التنافس مع السعودية بصورة متكافئة، تستطيع أبوظبي الحفاظ على نفوذها عبر ضمان وصول مستقل إلى نقاط استراتيجية تحيط بالمنطقة التي يتوسع فيها النفوذ السعودي.

وبات البحر الأحمر بذلك ساحة صراع محيطة بساحة المعركة اليمنية، بعدما أثبت الحوثيون أن السيطرة على السواحل والجزر ومواقع الصواريخ والممرات البحرية قادرة على التأثير في التجارة الدولية على نطاق يتجاوز اليمن.

وتواجه السعودية، تحديات تشمل البنية التحتية للطاقة وخطوط الشحن وممر باب المندب. من جهتها تنظر مصر إلى أمن البحر الأحمر من خلال قناة السويس، بينما لدى إسرائيل مخاوفها المتعلقة بالشحن والوصول إلى إيلات، وتواصل إثيوبيا سعيها لتعزيز وصولها البحري، في حين وسعت تركيا وجودها في القرن الأفريقي.

وفي ظل هذه الخريطة الاستراتيجية المزدحمة، يمنح الاستثمار الإماراتي طويل الأمد في الموانئ ونقاط الوصول أبوظبي أدوات للحفاظ على نفوذها، حتى بعد تقليص مشاركتها المباشرة في حرب اليمن.