تواصل دولة الإمارات الترويج لعملية الفارس الشهم في غزة بوصفها ذروة العمل الإنساني العربي، غير أن الوقائع الميدانية والتقارير الصحفية الدولية ترسم صورة مغايرة تمامًا: دور إماراتي وظيفي في مشروع إسرائيلي لإعادة هندسة جنوب قطاع غزة بعد حرب الإبادة، تحت غطاء الإغاثة والإنسانية.
إذ أن ما يُقدَّم للرأي العام باعتباره مساعدات عاجلة، يتكشّف تدريجيًا كإطار تشغيلي يُمكّن الاحتلال من فرض ترتيبات أمنية وديموغرافية جديدة، ويُحوّل «العمل الإنساني» إلى أداة ضبط وسيطرة.
فمنذ الأسابيع الأولى لما بعد الحرب الإسرائيلية على غزة، برز مسار إسرائيلي واضح يقوم على إنشاء منطقة تجميع مغلقة في رفح، تخضع لإشراف أمني مباشر، مع نظام دخول وخروج مُقيد، وتدقيق صارم، وإدارة موارد مُحكمة.
ونشرت وسائل إعلام دولية معروفة تفاصيل عن الخطة، بما فيها الوثائق التخطيطية التي تُظهر كيف تُبنى «المنطقة» كحيّز مُسيطر عليه بالكامل، لا كحلّ إغاثي مؤقت. في هذا السياق، يظهر الدور الإماراتي بوصفه الحلقة التمويلية واللوجستية التي جعلت التصور الإسرائيلي قابلًا للتنفيذ.
وتشير التقارير إلى أن مشاريع المياه والإمداد التي نُفذت بعناوين إنسانية كانت حجر الزاوية في تشغيل هذا النموذج. الأرقام التي جرى التفاخر بها—تأمين المياه لنحو 600 ألف شخص—تتطابق بدقة مع السقف السكاني الذي حدّدته إسرائيل لمن سيُسمح لهم بالبقاء داخل منطقة التجميع.
ويعد هذا التطابق دليلا على تناغم بين «العمل الإغاثي» والهدف الأمني. فحين تُصمَّم البنية التحتية لتخدم كتلة سكانية محددة داخل نطاق مُسيطر عليه، فإنها لا تُخفف الأزمة بقدر ما تُعيد توزيعها وفق شروط الاحتلال.
واللافت أن التمويل الإماراتي، بحسب ما كشفته صحف غربية، لم يترافق مع أي ولاية إنسانية مستقلة، ولا مع إدارة مدنية فلسطينية، بل تُركت الإدارة الأمنية والتصميم النهائي للأطراف الإسرائيلية.
هكذا تحوّل «الفارس الشهم» إلى مقاول بنية تحتية لمشروع سياسي-أمني، يوفّر التمويل والتهيئة اللوجستية، بينما يحتفظ الاحتلال بمفاتيح التحكم.
ويُعيد هذا النموذج إنتاج نمط معروف في تدخلات أبوظبي الإقليمية: واجهة إنسانية تُغطي أدوارًا وظيفية تخدم خرائط نفوذ وتفاهمات أمنية.
الأخطر أن هذا الانخراط جاء في لحظة امتنعت فيها عواصم أوروبية والولايات المتحدة عن تمويل المشروع ذاته خشية التورط في هندسة تهجير قسري أو إدارة حيز مغلق خارج الشرعية الدولية. الامتناع الغربي لم يكن تعاطفًا مع غزة بقدر ما كان تحسّبًا قانونيًا وسياسيًا.
في المقابل، لم تجد إسرائيل صعوبة في العثور على ممول إقليمي مستعد لتغطية الكلفة، وتحمّل تبعات الصورة، مقابل تعزيز موقعه في شبكة التطبيع والأدوار الوظيفية.
وقد اعتمد تسويق العملية إماراتيًا على خطاب إنساني كثيف، وصور مساعدات، وأرقام إمداد، دون الإجابة عن الأسئلة الجوهرية: من يدير هذه المناطق؟ ما طبيعة القيود المفروضة؟ ما مصير السكان خارج «الخطوط»؟ ولماذا تُربط الإغاثة ببنية أمنية إسرائيلية؟ غياب الإجابات ليس صدفة؛ لأنه يكشف أن الهدف ليس تخفيف المعاناة بقدر ما هو إعادة تنظيمها بما يخدم مشروع السيطرة.
ويضع هذا المسار الإمارات في موقع سياسي وأخلاقي إشكالي. فبدل الانخراط في ضغط دولي لرفع الحصار، وفتح المعابر، وضمان تدفق المساعدات دون شروط، اختارت أبوظبي لعب دور المموّل والمُشغّل لبنية تحتية تُكرّس العزل.
وبدل دعم مسار فلسطيني مستقل لإدارة الإغاثة، جرى تسليم المفاتيح الأمنية للاحتلال. النتيجة: «إنسانية مُدارة» تُعيد إنتاج المأساة، وتُلبسها ثوب التنظيم والكفاءة.
وعليه فإن توصيف «الفارس الشهم» كمقاول للبنية التحتية للمشروع الإسرائيلي ليس شتيمة سياسية، بل خلاصة تحليل يستند إلى الوقائع المنشورة: تمويل، لوجستيات، مشاريع تشغيلية، وغياب ولاية مستقلة.
كما أنه لا يمكن فصل هذا الدور عن سياق أوسع من التطبيع الوظيفي، حيث تُستبدل اللغة الحقوقية بخطاب الإغاثة، وتُستبدل الشرعية الدولية بتفاهمات أمنية، ويُستبدل إنقاذ غزة بإعادة هندستها وفق شروط الاحتلال.
