كشفت تقديرات استخباراتية عن تسارع التحول العسكري الذي تقوده دولة الإمارات في مدينة بربرة الساحلية الواقعة في إقليم صوماليلاند، وسط مؤشرات متزايدة على أن المشروع تجاوز الاستثمار في البنية التحتية ليصبح جزءًا من ترتيبات أمنية أوسع تخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وبحسب تحليل نشره مركز دارك بوكس المتخصص في الاستخبارات مفتوحة المصدر، فإن أعمال البناء الجارية في مطار بربرة تشير إلى إنشاء بنية تحتية ذات استخدامات عسكرية طويلة الأمد، في تطور يعكس تحول الموقع إلى مركز استراتيجي قد يعيد رسم موازين القوى في أحد أكثر الممرات البحرية حساسية على مستوى العالم.
واستند التقرير إلى صور أقمار صناعية حديثة، إلى جانب معلومات نشرتها صحيفة لوموند الفرنسية، أظهرت تنفيذ أعمال إنشائية واسعة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025، شملت حفريات كبيرة جنوب المدرج الرئيسي للمطار، حيث جرى إنشاء خنادق ودفن حاويات تحت الأرض قبل تغطيتها بالرمال.
ونقل التقرير عن مصدر أمني أوروبي قوله إن طبيعة هذه المنشآت تتوافق مع مرافق تستخدم عادة لتخزين الذخائر أو احتياطيات الوقود العسكري، رغم عدم وجود تأكيد رسمي بشأن وظيفتها الفعلية.
ويرى التقرير أن أهمية هذه التطورات لا تكمن في الأعمال الهندسية وحدها، وإنما في توقيتها، الذي تزامن مع تحولات سياسية وأمنية متسارعة في المنطقة، أبرزها اعتراف إسرائيل بصوماليلاند في ديسمبر/كانون الأول 2025، لتصبح أول دولة تعترف رسميًا بالإقليم المنفصل عن الصومال.
واعتبر التقرير أن هذا الاعتراف فتح الباب أمام تعاون أمني أوسع بين تل أبيب وسلطات صوماليلاند، في وقت يشهد فيه البحر الأحمر تصاعدًا في التوترات العسكرية، خاصة بعد المواجهات المستمرة بين إسرائيل وجماعة الحوثي في اليمن.
ويحتل موقع بربرة أهمية استثنائية، إذ يطل مباشرة على خليج عدن ويقع بالقرب من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية العالمية التي تمر عبرها نسبة كبيرة من حركة التجارة الدولية بين آسيا وأوروبا.
ويؤكد التقرير أن السيطرة على البنية التحتية في هذه المنطقة تمنح الجهات المسيطرة قدرة كبيرة على مراقبة الملاحة البحرية، ودعم عمليات الانتشار العسكري، وجمع المعلومات الاستخباراتية، والاستجابة السريعة لأي تطورات أمنية في البحر الأحمر واليمن.
ويرى مركز “دارك بوكس” أن التوسع الجاري يعكس انتقال بربرة من مجرد ميناء تجاري يرتبط بالاستثمارات الإماراتية إلى منشأة ذات أهمية عسكرية متزايدة، مرجحًا أن تكون أعمال البناء الحالية جزءًا من خطة استراتيجية طويلة المدى وليست ترتيبات لوجستية مؤقتة.
ويضع التقرير الإمارات في قلب هذا التحول، مشيرًا إلى أن أبوظبي عملت خلال العقد الأخير على توسيع نفوذها في القرن الأفريقي عبر السيطرة على الموانئ، والاستثمار في مشاريع النقل والخدمات اللوجستية، وبناء شراكات أمنية متزايدة مع عدد من دول المنطقة.
وبينما تروج الإمارات لهذه المشاريع باعتبارها استثمارات تهدف إلى حماية الملاحة الدولية وتعزيز الأمن البحري، يرى التقرير أن هذه البنية التحتية باتت تؤدي دورًا مزدوجًا يجمع بين الأهداف الاقتصادية والعسكرية، ويوفر لأبوظبي أدوات نفوذ تتجاوز النشاط التجاري.
ويشير التحليل إلى أن الموانئ والمطارات التي تديرها الإمارات أصبحت تشكل حلقات أساسية في شبكة جيوسياسية تمتد من الخليج العربي إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي، بما يخدم تحالفاتها الأمنية مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
كما يلفت إلى أن التقارير التي تربط بربرة بتعاون أمني ثلاثي يضم الإمارات والولايات المتحدة وإسرائيل، وإن لم تؤكدها الأطراف المعنية رسميًا، عززت المخاوف من تحول المدينة إلى منصة متقدمة للعمليات العسكرية والاستخباراتية في المنطقة.
ويرى التقرير أن حجم الإنشاءات العسكرية، وطبيعة البنية التحتية التي يجري تنفيذها، والأهمية الاستراتيجية المتزايدة للموقع، كلها عوامل تدفع المراقبين إلى الاعتقاد بأن المشروع يتجاوز كثيرًا فكرة تطوير مطار مدني أو توسيع منشآت تجارية.
ويؤكد أن عسكرة بربرة ستكون لها تداعيات مباشرة على أمن البحر الأحمر، إذ يمنح الموقع قدرة على مراقبة أحد أكثر الممرات البحرية ازدحامًا في العالم، ويعزز إمكانات الانتشار العسكري وجمع المعلومات الاستخباراتية، بما يؤثر في ميزان القوى الإقليمي.
وبحسب التقرير، فإن ما يجري في بربرة يعكس اتجاهًا عالميًا جديدًا، يتمثل في استخدام مشاريع البنية التحتية المدنية كأدوات لتعزيز النفوذ العسكري والجيوسياسي، دون الحاجة إلى الإعلان عن إنشاء قواعد عسكرية تقليدية.
ويشير إلى أن المطارات والموانئ ومراكز الخدمات اللوجستية أصبحت تمثل أدوات استراتيجية تستخدمها القوى الإقليمية والدولية لترسيخ وجودها العسكري بصورة أقل إثارة للجدل السياسي، مع الحفاظ على غطاء اقتصادي واستثماري.
ويخلص مركز “دارك بوكس” إلى أن السؤال لم يعد يتعلق بما إذا كانت بربرة اكتسبت قيمة استراتيجية جديدة، بل بكيفية تأثير هذا التحول العسكري على مستقبل الأمن في البحر الأحمر، ومدى مساهمة التقارب المتزايد بين الإمارات والولايات المتحدة وإسرائيل في إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية للمنطقة.
ويضيف التقرير أن استمرار أعمال البناء في المطار، بالتزامن مع تنامي الحضور الإماراتي في القرن الأفريقي، سيجعل من بربرة إحدى أكثر النقاط العسكرية حساسية خلال السنوات المقبلة، في ظل احتدام المنافسة الدولية على السيطرة على الممرات البحرية الاستراتيجية، وتحول الاستثمارات الإماراتية إلى أدوات تخدم ترتيبات أمنية تتجاوز الأهداف الاقتصادية المعلنة، وتكرس حضور أبوظبي كشريك رئيسي في المشاريع العسكرية الأمريكية والإسرائيلية في البحر الأحمر.
