قالت منظمة حقوقية إن الحرب في السودان تدخل عامها الرابع من دون نهاية تلوح في الأفق، معتبرة أن دور الأطراف الخارجية يمثل عاملاً رئيسياً في استمرار النزاع، ومبرزة دور الإمارات التي تؤجج الحرب والتواطؤ الأمريكي الذي أتاح لأبوظبي مواصلة هذا الدور.
وأبرزت منظمة الديمقراطية الآن للعالم العربي “داون” أن العلاقة بين الولايات المتحدة والإمارات تعكس نموذجاً لما وصفته بـ”الإمبريالية الفرعية”، حيث تعتمد قوة إقليمية على مظلة أمنية وقوة عالمية كبرى، بينما تمارس نفوذاً واسعاً في محيطها الإقليمي.
وقالت “داون” إن هذا النمط يظهر بصورة خاصة في أفريقيا، مشيرة إلى تزايد النفوذ الإماراتي في القارة من خلال الاستثمارات والموانئ والمنشآت العسكرية.
وأضافت أن الإمارات تعهدت باستثمارات تجاوزت 110 مليارات دولار في أفريقيا بين عامي 2019 و2023، وأن شركات مدعومة من الدولة الإماراتية سيطرت على موانئ ومواقع استراتيجية على سواحل أفريقية، بالتزامن مع وجود قواعد ومنشآت ومهابط ومواقع تمركز في إريتريا والصومال وليبيا وتشاد، بحسب المنظمة.
وأشارت المنظمة إلى أن النفوذ الإماراتي لا يقتصر، بحسب رؤيتها، على الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى المجال السياسي، لافتة إلى دور أبوظبي في دعم قوى إقليمية خلال مرحلة الثورات العربية، ومعتبرة أن هذا النهج انعكس أيضاً على تعاملها مع الحركات الديمقراطية في أفريقيا.
وأبرزت “داون” السودان باعتباره أحد أبرز الأمثلة على ما وصفته بالنفوذ الإماراتي الأكثر تأثيراً، موضحة أن الصراعات السودانية ارتبطت تاريخياً بالتهميش الاقتصادي واستخراج الموارد، إلى جانب توظيف الانقسامات العرقية والسياسية، ثم تدخل أطراف دولية في تسويات قالت المنظمة إنها ركزت على قادة الجماعات المسلحة من دون معالجة جذور التهميش.
وقالت المنظمة إن الثورة السودانية التي اندلعت في ديسمبر 2018 وأسقطت نظام عمر البشير في أبريل 2019 مثلت محاولة لكسر هذا المسار، مشيرة إلى أن مطالب الحركة الشعبية تمحورت حول الحرية والسلام والعدالة والحكم المدني والمساءلة والكرامة المادية.
وأضافت أن الإمارات والسعودية ومصر دعمت، خلال المرحلة الانتقالية، قوى عسكرية في السودان، معتبرة أن هذا الدعم أسهم في تقويض الانتقال المدني وصولاً إلى انقلاب أكتوبر 2021. وأوضحت أن إزالة الحكومة المدنية لم تنه الصراع، بل ساهمت لاحقاً في بروز المواجهة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023.
وقالت “داون” إن استراتيجية الإمارات في السودان تحركت، وفق تحليلها، عبر ثلاثة مسارات مترابطة هي الذهب والنفوذ السياسي ونقل الأسلحة، معتبرة أن هذه المسارات ساعدت أبوظبي على بناء نفوذها والحفاظ عليه والتأثير في اتجاه الصراع.
وأبرزت المنظمة أن قوات الدعم السريع عززت بين عامي 2013 و2023 سيطرتها على مناجم الذهب في دارفور، وأن الذهب ينتقل إلى دبي، التي وصفتها بأنها مركز رئيسي للذهب المرتبط بالصراعات في أفريقيا.
وأضافت أن استمرار تدفق الذهب خلال الحرب منح قوات الدعم السريع مصدراً رئيسياً للإيرادات، بينما وفر للإمارات أداة نفوذ على مسار النزاع.
وأشارت “داون” إلى أن الإمارات حافظت قبل اندلاع الحرب على علاقات مع كل من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، قبل أن تميل لاحقاً نحو تقديم دعم سياسي وتغطية دبلوماسية ومنصات إعلامية لقوات الدعم السريع وحلفائها.
وقالت إن الأسلحة والمعدات تصل إلى قوات الدعم السريع عبر خطوط إمداد تمر، بحسب ما أورده المقال، عبر ليبيا وتشاد وبونتلاند وجمهورية أفريقيا الوسطى، إلى جانب معسكر تدريب ممول إماراتياً داخل إثيوبيا.
كما اتهمت المنظمة أبوظبي بتجنيد وتدريب ونشر مرتزقة كولومبيين لتعزيز قوات الدعم السريع، مشيرة إلى أن عقوبات غربية طالت شركات وأفراداً كولومبيين، بينما بقي المسؤولون والكيانات الإماراتية التي تتهمها المنظمة بتمويل هذه العمليات من دون عقوبات.
وأبرزت المنظمة مدينة الفاشر بوصفها مثالاً على تداعيات هذا النفوذ، وقالت إن باحثين في مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل أطلعوا مسؤولين أمريكيين وبريطانيين وأعضاء في مجلس الأمن الدولي أكثر من 20 مرة، منذ منتصف 2024، على أدلة عبر الأقمار الصناعية بشأن حصار قوات الدعم السريع للفاشر، محذرين من أن الحصار قد يحاصر 1.5 مليون مدني.
وأضافت أن قوات الدعم السريع قتلت ما لا يقل عن 6 آلاف مدني خلال الأيام الثلاثة الأولى بعد سقوط المدينة في أكتوبر 2025، معتبرة أن التحذيرات المسبقة التي قدمت للحكومات الغربية لم تؤد إلى تحرك، وربطت ذلك بما وصفته برغبة في حماية العلاقات الاستراتيجية مع الإمارات.
وقالت “داون” إن السودان لا يمثل حالة منفصلة، وربطت بين الحرب السودانية وأزمات أخرى، من بينها الحرب في غزة والصراع في جمهورية الكونغو الديمقراطية، معتبرة أن تعامل الدول الغربية مع القانون الدولي الإنساني يختلف باختلاف النزاعات والأطراف.
وطالبت المنظمة بأن تتضمن أي عملية سلام في السودان محاكمات لقادة قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية المسؤولين عن جرائم حرب، إلى جانب تعويضات ملزمة للمجتمعات الطرفية التي قالت إن التهميش التاريخي لها يمثل أحد الأسباب البنيوية للحرب.
وأكدت “داون” أن الحكومات الغربية تمتلك أدوات مالية للضغط على الإمارات، مشيرة إلى أن الأموال التي تمول قوات الدعم السريع يمكن تتبعها داخل الأنظمة المصرفية وأسواق العقارات في عواصم غربية.
وختمت المنظمة بالتأكيد على أن تحقيق العدالة، يتطلب إخضاع الشركاء الاستراتيجيين والجهات التي تمكنهم للقانون الدولي، واتهمت واشنطن بعدم اتخاذ إجراءات كافية للحد من الدور الإماراتي في السودان، معتبرة أن استمرار العنف المرتبط بذلك يستوجب الرفض.
