موقع إخباري يهتم بفضائح و انتهاكات دولة الامارات

لوبي المال والتطبيع مع إسرائيل.. أسرار صعود النفوذ الإماراتي في واشنطن

566

سلط تحقيق مطول لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية، الضوء على أسرار صعود النفوذ الإماراتي في الولايات المتحدة الأمريكية بما في ذلك توظيف المال والاستثمارات والتطبيع مع إسرائيل والإدارة الأمريكية لتحقيق مكاسب سياسية واستراتيجية، مع تجاهل تداعيات ذلك على المصالح الإقليمية وحتى الأمريكية نفسها.

وأبرز التحقيق أن تصاعد الانتقادات الإقليمية والدولية الموجهة إلى الإمارات طالت حديثا طبيعة نفوذها المتنامي داخل الولايات المتحدة، حيث تتهم أبوظبي بتوظيف ثروتها المالية واستثماراتها وعلاقاتها السياسية لإعادة صياغة صورتها وكسب نفوذ واسع داخل دوائر صنع القرار الأمريكية.

وكشف التحقيق أن الإمارات أنفقت مئات ملايين الدولارات على جماعات الضغط ومراكز الأبحاث والمؤسسات السياسية في واشنطن، بالتوازي مع استثمارات ضخمة في قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، الأمر الذي منحها تأثيراً متزايداً في ملفات حساسة تتعلق بالأمن القومي الأمريكي.

وربط التحقيق بين هذا النفوذ وبين التحالف الإماراتي الإسرائيلي بعد اتفاقيات أبراهام، معتبرة أن التطبيع وفر لأبوظبي “باباً خلفياً” لتجاوز كثير من الانتقادات التي كانت تواجهها داخل الولايات المتحدة، وساهم في تعزيز موقعها لدى الإدارات الأمريكية المتعاقبة.

كما استعرض التحقيق اتهامات موجهة للإمارات بغض الطرف عن ملفات مثيرة للجدل، بينها دعم ميليشيات الدعم السريع في السودان، والحفاظ على دورها كمركز للالتفاف على العقوبات المفروضة على إيران، إضافة إلى استمرار علاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع الصين رغم التحذيرات الأمريكية بشأن نقل التقنيات الحساسة.

وبحسب التحقيق فإن منتقدين داخل الكونغرس الأمريكي يرون أن أبوظبي تمكنت من الإفلات من محاسبة كانت ستواجهها أي دولة أخرى في ظروف مماثلة بفضل عمل اللوبيات والتحالف مع إسرائيل.

وخلص التحقيق إلى أن الإمارات بنت نموذجاً قائماً على توظيف القوة المالية والاستثمارات والتحالفات السياسية لتعظيم نفوذها في واشنطن، إلا أن هذا النهج بدأ بشكل غير مسبوق يثير تساؤلات متزايدة حول تأثيره على استقلال القرار الأمريكي، وحول الكلفة السياسية والأمنية المترتبة على هذا المستوى من التشابك بين المصالح الاقتصادية والعلاقات الاستراتيجية.

وفيما يلي النص الكامل للتحقيق

كيف كسبت الإمارات ودّ واشنطن؟

قبل عشرين عاماً، كانت الإمارات في قلب عاصفة سياسية عاتية، فقد أثارت محاولة الدولة الخليجية الغنية بالنفط شراء حقوق إدارة ستة موانئ بحرية أميركية رئيسية، من خلال شركة الخدمات اللوجستية المملوكة لدبي “دي بي ورلد”، ضجة واسعة بين المشرعين الأميركيين.

كان اثنان من منفذي هجمات الحادي عشر من سبتمبر، التي وقعت قبل ذلك بخمس سنوات فقط، من الإمارات، واتهم بعض المشرعين الأميركيين الإمارات بأنها كانت مركزاً لتمويل تنظيم القاعدة وتمثل “مشكلة مستمرة في مجال مكافحة الإرهاب”، محذرين من تهديد خطير للأمن الأميركي في حال السماح لها بإدارة موانئ استراتيجية في الولايات المتحدة.

لم يشفع للإمارات أنها كانت الدولة العربية الوحيدة التي نشرت قوات لدعم الحرب الأميركية في أفغانستان، كما لم يُحدث تأييد إدارة الرئيس جورج دبليو بوش لصفقة الموانئ فارقاً، فقد أجبرت موجة الاعتراضات “دي بي ورلد” على التراجع عن الصفقة في نهاية المطاف.

شكلت تلك الأزمة أيضاً نقطة تحول مفصلية بالنسبة للإمارات وعلاقتها بالولايات المتحدة، ففي أبوظبي، دعا محمد بن زايد آل نهيان، الذي كان آنذاك ولي عهد أبوظبي النافذ والمعروف اختصاراً بـMBZ، مستشاريه إلى اجتماع طارئ، وقال لهم إن “الأزمة” كشفت عن وجود سوء فهم جوهري لدى معظم الأميركيين تجاه الإمارات، وقد حان الوقت لتصحيح ذلك، وهذا ما فعلوه بالضبط.

فبعد عقدين، أصبح محمد بن زايد رئيساً للإمارات، وبات السياسيون والقادة العسكريون الاميركيون ينظرون إلى الدولة الخليجية باعتبارها واحدة من أكثر حلفاء الولايات المتحدة كفاءة وقدرة في الشرق الأوسط، حتى إنها حظيت بلقب ينطوي على الإعجاب هو “إسبرطة الصغيرة”.

وقد أعلن الجيش الأميركي في الثامن والعشرين من يوليو، أنه يعمل مع الإمارات على تسريع تطوير “الذكاء الاصطناعي العسكري”.

ولم تقتصر العلاقات على الجانب العسكري فحسب، فقد عملت أبوظبي بنشاط على توظيف ما تديره من أصول تبلغ قيمتها 1.7 تريليون دولار عبر صناديق الثروة السيادية والشركات المدعومة من الدولة، لضخ استثمارات ضخمة في الولايات المتحدة، وفي عائلة الرئيس دونالد ترامب أيضاً.

ولم يعد الكونغرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون يشعر بالقلق إزاء الاستثمارات في القطاعات الحساسة المرتبطة بالأمن القومي الأميركي، فقد منح الرئيس دونالد ترامب الإماراتيين مؤخراً إمكانية الوصول إلى بعض أكثر رقائق الحوسبة الأميركية تطوراً، وذلك بعد أشهر فقط من استثمار أحد أفراد الأسرة الحاكمة في الإمارات نصف مليار دولار في مشروع العملات المشفرة التابع لعائلة ترامب.

أما محمد بن زايد آل نهيان، الذي قرر أن الوقت قد حان لإعادة ضبط العلاقة استراتيجياً، فقال عنه ترامب في يونيو: “سموه محارب”، مضيفاً أن الإمارات “دولة رائعة”.

تعد الطريقة التي نجحت بها الإمارات، وهي ملكية مطلقة، في كسب ود واشنطن، في نظر أصدقائها وخصومها على حد سواء، نموذجاً مثالياً لكيفية إدارة حملة علاقات عامة حكومية في العاصمة الأميركية.

لكن الطريق لم يكن دائماً سهلاً، فقد أثارت الولايات المتحدة غضب الإماراتيين بتأييدها الضمني لانتفاضات الربيع العربي عام 2011، التي هددت الوضع القائم في الشرق الأوسط، ثم بقرارها توقيع الاتفاق النووي مع إيران عام 2015.

ووضعت حرب ترامب مع إيران في الآونة الأخيرة، حدود نفوذ محمد بن زايد أمام اختبار صعب، بعدما أصبحت الإمارات الهدف الرئيسي للرد الإيراني، وأثارت موجات الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية تساؤلات بشأن صورة البلاد بوصفها واحة للاستقرار، وكذلك بشأن مدى قابلية طموحها للتحول إلى مركز عالمي للتكنولوجيا للتحقق.

وتقول باربرا ليف، التي شغلت منصب السفيرة الأميركية لدى أبوظبي بين عامي 2014 و2018، ثم أصبحت أكبر دبلوماسية أميركية مسؤولة عن الشرق الأوسط، إن الإماراتيين يدركون أن “لديهم امتداداً واسعاً، ولديهم القدرة على الوصول، ولديهم نفوذ”.

وتضيف: “لكن في نهاية المطاف، لم يكن لهم صوت في قرار خوض حرب اندلعت على أعتابهم، ومع ذلك تلقوا النصيب الأكبر من الهجمات”.

لكن هذا الواقع، إن كان له من أثر، فقد عزز القناعة في أبوظبي بضرورة تعميق العلاقة، فقد راهنت الإمارات استراتيجياً على شراكتها مع الولايات المتحدة وعلى توثيق علاقاتها مع إسرائيل، ويقول مسؤولون إنها لا تعتزم الاكتفاء بمواصلة هذا النهج، بل تسعى إلى تعزيز هذه الروابط بصورة أكبر.

ولم يحضر عرض “القتال النهائي” الذي استضافه ترامب في حفل عيد ميلاده الثمانين على حديقة البيت الأبيض هذا الصيف، سوى سفيرين: السفير البريطاني السير كريستيان تيرنر، والسفير الإماراتي يوسف العتيبة.

كان يوسف العتيبة، المستشار السابق لمحمد بن زايد، قد تلقى تعليمه في جامعة جورجتاون في واشنطن، وأُرسل إلى العاصمة الأميركية عام 2008 ليقدم للأميركيين صورة مختلفة عن الإمارات، غير تلك التي كانوا يعتقدون أنهم يعرفونها، وقد نجح في تحقيق ذلك بالفعل، بمساعدة جيش صغير من جماعات الضغط رفيعة المستوى.

وكان المال إحدى أهم أدوات التأثير، فقد أنفقت الإمارات أكثر من 270 مليون دولار في واشنطن خلال السنوات العشر الماضية وحدها، وفقاً لمنظمة “أوبن سيكرتس” التي تتتبع الأموال في السياسة الأميركية، وتصنف الإمارات ضمن أكبر عشر دول إنفاقاً في العالم، إلى جانب جارتيها الخليجيتين، السعودية التي أنفقت 422 مليون دولار وقطر 269 مليون دولار.

كما ضخت الإمارات أموالاً في عدد من أبرز مراكز الأبحاث في واشنطن، من المجلس الأطلسي إلى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ومؤسسة راند وغيرها، واستضافت عشرات المؤتمرات والملتقيات الدولية، بل وأطلقت، حتى قبل وصول العتيبة، مجلس الأعمال الأميركي الإماراتي لتعزيز العلاقات الاقتصادية الثنائية.

لكن مسؤولين يقولون إن العتيبة نفسه كان العامل الأكثر تأثيراً، بفضل مهارته في التعامل مع دهاليز السياسة في واشنطن.

ويقول مسؤول كبير سابق في وزارة الخارجية الأميركية: “كان العتيبة دؤوباً في إقامة الولائم واستضافة الشخصيات، ونجح من خلال ذلك في بناء شبكة من المؤيدين داخل الحزبين” في السياسة الأميركية.

ويضيف المسؤول: “من اللافت للنظر عدد المسؤولين السابقين وموظفي الكونغرس الذين وضعوا أسماءهم على مقالات رأي شديدة الإشادة، تمجد العلاقة الأميركية الإماراتية التي يُفترض أنها تعود بالنفع المتبادل على الطرفين”.

ولم يقم محمد بن زايد سوى بزيارة دولة رسمية واحدة إلى واشنطن، كانت في عام 2024 للقاء الرئيس آنذاك جو بايدن، لكن مسؤولين يقولون إن العتيبة قاد عملية إعادة صياغة صورة الإمارات استراتيجياً داخل الولايات المتحدة بدرجة من الحنكة تحاول دول خليجية مجاورة، من بينها السعودية، محاكاتها.

وكان العتيبة منشغلاً بالترويج لصورة الإمارات باعتبارها، بالمقارنة بالسعودية، منارة للحداثة وبلداً واعداً؛ فهي موطن دبي المعتدلة والصديقة للأعمال، وواحة تبدو ليبرالية في منطقة مسلمة محافظة من العالم، في حين أدى مقتل صحفي بارز على أيدي عملاء سعوديين عام 2018 إلى وضع الرياض في عزلة دبلوماسية لعدة سنوات.

وشجع العتيبة صناع السياسة الأميركيين على زيارة الإمارات، وقاد جهود السفارة للتواصل مع الكونغرس ومراكز الأبحاث والجامعات والمدارس ووسائل الإعلام، كما استضاف حفلات وفعاليات لنخبة واشنطن.

وأقام العتيبة أيضاً علاقة وثيقة مع جاريد كوشنر، صهر الرئيس، خلال الحملة الانتخابية الأولى لترامب، والذي أصبح لاحقاً أحد أكثر مستشاريه نفوذاً في قضايا الشرق الأوسط.

لكن أكبر نجاح حققته الإمارات والعتيبة حتى الآن جاء مع قرار الدولة عام 2020 بأن تصبح أول الموقعين على اتفاقيات أبراهام التي أطلقها ترامب، وتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، في خطوة أبهرت المؤسسة السياسية الأميركية وأحدثت تحولاً جذرياً في نظرة الولايات المتحدة إلى الإمارات.

ويقول المسؤول السابق في وزارة الخارجية: “كانوا قادرين على قراءة المؤشرات وفهم ما يهم الولايات المتحدة، وأدركوا أن إسرائيل تمثل وسيلة للتقرب من فريق ترامب”، ويضيف: “كانت العلاقات الوثيقة مع إسرائيل أشبه بباب خلفي ضخم ومفتوح على مصراعيه للالتفاف على الانتقادات التي كانوا يواجهونها”.

بالنسبة إلى محمد بن زايد، فإن توثيق العلاقات مع الولايات المتحدة يخدم مجموعة من الأهداف الاستراتيجية، بحسب أشخاص مقربين من الأسرة الحاكمة، من بينها تنويع الاقتصاد بعيداً عن الاعتماد على عائدات النفط، وتحويل الإمارات إلى مركز عالمي للذكاء الاصطناعي، ورسم مسار مستقل بعيداً عن ظل القوة الإقليمية الكبرى، السعودية.

وتقول باربرا ليف، السفيرة الأميركية السابقة لدى الإمارات: “لطالما نظروا إلى إسرائيل وسنغافورة باعتبارهما نموذجين يُحتذى بهما: دولتان صغيرتان، بعدد سكان قليل، لكنهما تتمتعان بتأثير عالمي، سواء على الصعيد السياسي أو الدبلوماسي أو الاقتصادي أو العسكري، وغير ذلك”.

بعد عقدين من فشل الإمارات في الاستحواذ على موانئ بحرية أميركية كبرى، نجحت تدريجياً في امتلاك حصص في قطاع أكثر قيمة بكثير.

ويقول مسؤول بارز في إدارة بايدن، عمل عن كثب مع الإمارات: “من المخيف مدى ارتباط صناعة الذكاء الاصطناعي لدينا بالأموال الإماراتية”.

وأطلقت أذرع استثمارية مدعومة من الدولة، مثل صندوق الثروة السيادي في أبوظبي «مبادلة» وشركة «إم جي إكس» (MGX)، التي يرأسها مستشار الأمن الوطني الإماراتي وشقيق الرئيس طحنون بن زايد آل نهيان، شراكات واسعة مع شركات تكنولوجيا مثل «أوبن إيه آي» و«إكس إيه آي».

كما استحوذت هذه الجهات على حصة مسيطرة في شركة تصنيع الرقائق «غلوبال فاوندريز»، إلى جانب حصص أقلية كبيرة في شركة «سيريبراس سيستمز» لصناعة الرقائق، وشركة «ألايند داتا سنترز» المطورة لمراكز البيانات.

وساعدت هذه الاستثمارات في تحويل العلاقة بين الولايات المتحدة والإمارات من علاقة كان يُقاس عمقها، في حقبة ما بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، بمدى التعاون والقتال المشترك، إلى علاقة يتعاون فيها البلدان اقتصادياً، بحسب مسؤول إماراتي.

ويضيف المسؤول: “في عالم ما بعد إيران، ستكون العلاقة قائمة على الأمرين معاً”، ويقول إنه في قطاع الصناعات الدفاعية الأميركية، لم يعد الأمر يتعلق فقط بـ”ما نشتريه، بل بما نبنيه أيضاً. ومراكز البيانات التي نبنيها… نحن نستثمر مع مايكروسوفت وإنفيديا وبلاك روك وأوبن إيه آي”.

ويشبّه طارق العتيبة، الأخ غير الشقيق للسفير الإماراتي والمسؤول الإماراتي السابق، استراتيجية الإمارات للاستثمارات الاستراتيجية بخطة وُضعت من أجل “سيارة صغيرة تدخل سباقاً توجد فيه الكثير من السيارات الأكبر حجماً التي تسبقنا”.

ويقول: “في الأيام الأولى، كان الأمر ببساطة: سنضخ الكثير من الأموال في أشياء تبدو جيدة”، لكن مع تنامي فهم الإماراتيين لوادي السيليكون، أصبحوا “مستثمرين متطورين، ويعرفون أين توجد الصفقات المناسبة”، بحسب العتيبة.

وقال جاكوب هيلبرغ، أكبر مسؤول في إدارة ترامب عن الدبلوماسية الاقتصادية، هذا العام إن الاستثمارات الإماراتية في شركات تصنيع الرقائق الأميركية جعلت الإمارات ممولاً بالغ الأهمية لقطاع التكنولوجيا.

لكن أبوظبي بلغت مستوى جديداً مع قرار وزارة التجارة الأميركية السماح ببيع الرقائق المتقدمة إلى الإمارات وإلغاء ضوابط التصدير المرتبطة بها. ووصف السفير العتيبة اتفاق الرقائق بأنه “محطة فارقة” جاءت نتيجة “تواصل مستمر”.

لكن الديمقراطيين رأوا الأمر بصورة مختلفة، فقد وصفت عضوة الكونغرس عن ولاية أريزونا ياسمين أنصاري الاتفاق بأنه “ربما أحد أكبر وأكثر مخططات الفساد وضوحاً في تاريخ الولايات المتحدة”.

ونبع الغضب من شراء شركة «إم جي إكس» التابعة للشيخ طحنون حصة تبلغ 49 في المئة في شركة العملات المشفرة التابعة لعائلة ترامب، «وورلد ليبرتي فاينانشال»، قبل فترة وجيزة من تنصيب ترامب العام الماضي.

واشترت «إم جي إكس» لاحقاً ما قيمته مليارا دولار من العملة المستقرة التابعة لـ«وورلد ليبرتي» لاستخدامها في استثمار في بورصة للعملات المشفرة، وهي “صفقة منحت وورلد ليبرتي فعلياً ملياري دولار نقداً”، بحسب السيناتور الديمقراطي كريس فان هولين.

كما اشترى صندوق مقره الإمارات يطلق على نفسه اسم «مؤسسة أكوا 1» ما قيمته 100 مليون دولار من الرموز الرقمية التي أصدرتها «وورلد ليبرتي».

ويقول الإماراتيون إن هذه الاستثمارات كانت قرارات تجارية خاصة، ولا علاقة لها بالطموحات السياسية الإماراتية أو باتفاق الرقائق الذي أُبرم لاحقاً بين الولايات المتحدة والإمارات.

وقال متحدث باسم «وورلد ليبرتي» إن عملتها المستقرة لم تكن سوى وسيلة دفع لاستثمار «إم جي إكس»، وإن وصف الصفقة بأنها منحة نقدية سيكون “غير صحيح على الإطلاق”.

وكان مسؤولون في الأمن القومي الأميركي ومشرعون قد حذروا لسنوات من أن السماح للإمارات بالوصول إلى الرقائق المتقدمة قد يجعل أكثر التقنيات الأميركية حساسية عرضة للوصول إلى أيدي أكبر منافس عالمي للولايات المتحدة، الصين، التي تربطها علاقات تجارية وتكنولوجية وثيقة بالإمارات.

وتقول إدارة ترامب والإمارات إنهما اتخذتا إجراءات لحماية التكنولوجيا، لكن بعض المسؤولين السابقين والمشرعين لا يزالون متشككين.

ويقول مسؤول سابق في وزارة الخارجية الأميركية: “صاغت الإمارات علاقة مع الولايات المتحدة تصب إلى حد كبير في مصلحة الإمارات، لكنها تلحق ضرراً كبيراً بالسياسة الخارجية الأميركية ومصالحنا الوطنية”.

ويضيف المسؤول: “إذا تعمقت فعلياً في الأمر، فستجد أن كل الحديث عن فوائد علاقة الولايات المتحدة بالإمارات ليس سوى شيء غامض وغير ملموس، أشبه بالبخار”.

كما أثمرت دبلوماسية الإمارات واستثماراتها بطرق أكثر دقة، فقد تمكنت منذ فترة طويلة من تجنب العواقب المترتبة على سلوكيات ينظر إليها السياسيون الأميركيون بقدر أقل من التسامح عندما تصدر عن دول أخرى؛ مثل إجراء تدريبات عسكرية مشتركة مع الصين، أو مزاعم تزويد قوات الدعم السريع، وهي قوة شبه عسكرية سودانية متهمة بارتكاب جرائم حرب، بأسلحة تقول عضوة الكونغرس الديمقراطية سارة جاكوبس إنها “تُمكّن حرفياً من ارتكاب إبادة جماعية”.

وكان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد قال العام الماضي إن الإمارات “تدعم علناً جهة ترتكب إبادة جماعية” في السودان، وهي اتهامات تنفيها الإمارات، لكن المشرعين صوتوا باستمرار ضد محاولات في الكونغرس لعرقلة مبيعات الأسلحة للإمارات على أساس أنها حليف استراتيجي.

كما تجنبت الإمارات توبيخاً جدياً بسبب دورها مركزاً للتمويل الإيراني غير المشروع، وكان هذا الدور محورياً إلى درجة كبيرة في بقاء النظام الإيراني قبل الحرب، حتى إن ترامب قال هذا العام إن الإمارات كانت “بمثابة المصرف لإيران”.

ووجد تحليل أجرته صحيفة فايننشال تايمز للعقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأميركية والمرتبطة بإيران أن الإمارات كانت ثاني أكثر دولة وروداً في العقوبات بعد الصين، رغم الموقف المتشدد تقليدياً لأبوظبي تجاه طهران.

من بين 1,573 كياناً وفرداً خاضعين للعقوبات ولديهم صلات بدولة خارج إيران، فإن 22 في المئة منهم لديهم جنسية أو عناوين أو تسجيلات شركات في الإمارات.

ويقول فان هولين: “تتمتع الإمارات بنفوذ كبير هنا في واشنطن .. نفوذ أكبر مما ينبغي. ولذلك تمكنت من الإفلات من أمور لم يكن بإمكان دول أخرى الإفلات منها”.

رغم كل ما تتمتع به الإمارات من نفوذ، فإنها لم تتمكن من منع الولايات المتحدة وإسرائيل من شن الحرب على إيران هذا العام.

لكن الدولة الخليجية اتخذت قراراً بالغ الأهمية بتعزيز علاقاتها مع واشنطن والقدس منذ اندلاع الحرب، بل ونفذت عشرات الضربات الجوية الخاصة بها ضد إيران.

ويقول مسؤولون إماراتيون إن التدفق المستمر والموثوق للأسلحة والدعم الأميركي طوال الحرب، رغم الاختناقات في سلاسل الإمداد، يشكل دليلاً على تنامي أهمية الإمارات في هذه العلاقة.

ويقول مسؤول إماراتي: “أعتقد أن أداءنا في الحرب، وتعاوننا وتنسيقنا مع الولايات المتحدة، رفع بالفعل من مكانتنا أو جعلنا نتميز عن الآخرين. لقد أثبت أننا نتمتع بالكفاءة، وأننا نعرف ما نفعله”.

كما توثقت علاقات الإمارات مع إسرائيل، وفي مايو انسحبت من منظمة أوبك التي تقودها السعودية، وهو ما زاد من تقاربها مع ترامب، الذي طالما أبدى استياءه من نفوذ أوبك على أسعار النفط.

ويتوقع بعض الخبراء أن يؤدي التركيز على العلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل، على حساب التحالفات الإقليمية العربية، إلى نتائج عكسية.

ويقول أندرو ليبر، الخبير في شؤون الشرق الأوسط بجامعة تولين، إن الإمارات، بسلوكها هذا، “تخاطر بالتنازل عن استقلاليتها الاستراتيجية لصالح هاتين الدولتين”.

كما يعتقد بعض الديمقراطيين أن وقت مساءلة الإمارات قد يكون قريباً، إذا استعاد الحزب السيطرة على الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر، وهو ما قد يمهد الطريق أمام فتح تحقيقات في الكونغرس.

وتقول عضوة الكونغرس الديمقراطية سارة جاكوبس إن الولايات المتحدة يجب أن “يُنظر إليها على أنها تُخضع شركاءنا وحلفاءنا للمعايير نفسها التي تُخضع لها الجميع”.

وتضيف أن الإمارات “شريك مهم للولايات المتحدة في المنطقة”، لكنها تستدرك: “مع ذلك، لا يزال يتعين علينا أن نكون صريحين بشأن الكيفية التي تقوض بها أفعالها بشكل مباشر أولويات الولايات المتحدة وتتسبب في أضرار”.