سلط تحقيق أوروبي الضوء على الدور المتصاعد الذي تلعبه أبوظبي بوصفها “القوة الخفية” التي تعيد تشكيل خرائط النفوذ في القارة الإفريقية، عبر مزيج محسوب من استثمارات ضخمة وتدخلات عسكرية وأمنية، بما يحوّل الاقتصاد إلى رافعة سياسية ويضع الموانئ والذهب في صميم استراتيجية نفوذ طويلة الأمد.
ورسم التحقيق الذي نشرته صحيفة لافانغارديا الإسبانية، صورة لإمارات خرجت خلال عقد واحد من إطار الشريك التجاري إلى فاعل جيوسياسي نشِط، ينسج تحالفاته بهدوء ويقطف نتائجها في مناطق حساسة تمتد من القرن الإفريقي إلى عمق الساحل.
وبحسب التحقيق يضع الاعتراف الإسرائيلي بـ“أرض الصومال” في أواخر 2025 كأحد مفاتيح هذا التحول، واصفاً الخطوة بـ“الزلزال الجيوسياسي” الذي لم يكن ليحدث لولا الدفع الإماراتي خلف الكواليس.
فهذا الاعتراف لم يفتح فقط نافذة لإسرائيل على ممرات مائية حيوية في البحر الأحمر وخليج عدن، بل منحها أيضاً تموضعاً عسكرياً أقرب لمواجهة تهديدات الحوثيين وتأمين خاصرتها الجنوبية عبر ميناء بربرة الاستراتيجي، الخاضع عملياً للنفوذ الإماراتي.
وبحسب الصحيفة، فإن أبوظبي بذلك رسخت نموذج “الشريك الذي يجمع بين المال والقوة”، في تجاهل صريح لتحفظات إقليمية عبّرت عنها السعودية وتركيا ومصر.
وتذهب لافانغارديا إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن الإمارات باتت خلال سنوات قليلة “قوة عظمى خفية” في إفريقيا، متجاوزة نفوذ قوى تقليدية مثل فرنسا، ومنافسةً حضور الصين والولايات المتحدة.
وتستند الصحيفة إلى بيانات تفيد بأن الشركات الإماراتية أعلنت مشاريع بقيمة 110 مليارات دولار خلال خمس سنوات فقط، أي ما يعادل ضعف الاستثمارات الصينية أو الأوروبية في القارة خلال الفترة نفسها.
ووفق التحقيق انتقلت أبوظبي من التجارة التقليدية إلى ما تسميه “استراتيجية القوة الشاملة”، حيث تتقاطع اللوجستيات والطاقة المتجددة والأمن الغذائي مع “دبلوماسية الموانئ”.
ويشرح محللون أن السيطرة على عقد الشحن والنقل ليست مجرد استثمار، بل أداة ضغط ونفوذ تتحكم بسلاسل الإمداد وتعيد ترتيب الأولويات السياسية للدول المضيفة.
في هذا السياق، يبرز دور شركتين محوريتين: موانئ دبي العالمية ومجموعة موانئ أبوظبي. ويقول حسام محجوب، الباحث في معهد ترانسناشيونال، إن الاستحواذ على امتيازات الموانئ هو “قلب الاستراتيجية الجيوسياسية الإماراتية”، إذ يمنحها قدرة على التحكم بالطرق التجارية وتقليص كلفة النقل والزمن اللوجستي، كما حدث في كينيا ورواندا.
وتستشهد الصحيفة بتصريحات سابقة لـسلطان أحمد بن سليم، رئيس مجلس إدارة موانئ دبي المُقال لاحقاً على خلفية ارتباط اسمه بفضائح إبستين، الذي قال إن شحنة كانت تستغرق أسبوعين للوصول من الساحل الكيني إلى رواندا بكلفة 10 آلاف دولار، باتت تصل خلال أربعة أيام وبثلث التكلفة.
غير أن التحقيق يلمّح إلى أن هذه “الإنجازات اللوجستية” تخفي وراءها تمدداً سياسياً يقلق عواصم إفريقية وأوروبية على حد سواء.
وتضيف لافانغارديا أن أبوظبي استغلت التنافس الخليجي، خصوصاً بين السعودية وقطر، لتقديم نفسها شريكاً “حازماً” في القرن الإفريقي، لا يتردد في توظيف الاضطرابات لصالحه.
لكن هذا الصعود لم يخلُ من انتقادات دولية حادة، أبرزها الاتهامات بالتدخل في حرب السودان عبر دعم قوات الدعم السريع مقابل الحصول على الذهب.
فبحسب التحقيق، تحولت الإمارات في 2024 إلى ثاني أكبر مستورد للذهب عالمياً، يأتي أكثر من نصفه (54%) من إفريقيا، غالباً عبر مسارات غير شفافة ومن مناطق نزاع.
ويشير الاقتصادي البوروندي أركيد ندوريسيمبا في دراسته “الجانب القبيح لتجارة الذهب بين إفريقيا والإمارات” إلى أن أبوظبي لا تلتزم بالمعايير الصارمة التي يعتمدها مستوردون آخرون للتحقق من مصدر الذهب واحترام حقوق الإنسان.
وتدعم تقارير منظمة سويس إيد هذا الطرح، موضحة أن كميات ضخمة من الذهب المهرّب من السودان وأوغندا ورواندا والكونغو تصل إلى الإمارات بعيداً عن الرقابة، ما يحوّل المصالح الاقتصادية إلى نفوذ سياسي “مستدام لكنه شديد الجدل”.
ويخلص الباحث إميل بوفييه إلى أن الوجود الإماراتي في إفريقيا “وُجد ليبقى”، محذراً من أن تحويل المال إلى سلطة قد يرسّخ نفوذاً طويل الأمد، لكنه يترك وراءه أسئلة أخلاقية وسياسية عميقة حول كلفة هذا التمدد على استقرار القارة ومستقبلها.
