كشفت مصادر ديبلوماسية عن تزايد ظهور توترات داخل هيكل القيادة الإماراتية، لا سيما بين سلطة أبوظبي المركزية المتنامية وإمارات أخرى ذات نفوذ تُبدي قلقها بشأن مستقبل الاتحاد على المدى البعيد.
ولسنوات روجت دولة الإمارات لصورة التماسك الداخلي والسلطة المركزية والوحدة السياسية المُدارة بعناية، وقدمت نفسها كنموذج للاستقرار في منطقة اتسمت بالتشرذم والتنافس.
غير أن مؤشرات سياسية حديثة ورسائل عامة واختلافات في السياسات تشير إلى تزايد القلق داخل الدولة لا سيما في ظل محمد بن زايد آل نهيان انعقاد أي اجتماعات للمجلس الاتحادي للدولة لبحث التطورات الإقليمية الخطيرة.
وبحسب المصادر تتمحور النقاشات حول نهجين سياسيين متباينين؛ يتمثل الأول في الدائرة القيادية المحيطة برئيس الدولة محمد بن زايد، مع تزايد تركيز صنع القرار الاستراتيجي والأمني والاقتصادي في أبوظبي.
ويتمثل الثاني في شخصيات مرتبطة بدبي والشارقة، لا سيما محمد بن راشد آل مكتوم والشيخ سلطان القاسمي، حيث تعكس لغتهما السياسية ورسائلهما العامة أحياناً رؤية مختلفة بشأن الحوكمة والعلاقات الإقليمية والتوازن المستقبلي داخل الاتحاد.
وقد اشتد الجدل عقب سلسلة من التصريحات العلنية واللحظات السياسية الرمزية التي فسرها مراقبون على أنها انتقادات غير مباشرة للمسار الحالي للدولة.
وأثارت تصريحات محمد بن راشد حول القيادة الأنانية والمسؤولية وتحول المسؤولين إلى عبء على الأمة ردود فعل غير معتادة في الأوساط السياسية الإماراتية، خاصة مع صدورها علناً وتبعها تفاعل من مسؤولين عبر وسائل التواصل الاجتماعي بدلاً من القنوات المؤسسية التقليدية.
واعتبر محللون أن هذه التبادلات العلنية غير مألوفة في الأنظمة الملكية الخليجية، حيث تُدار الخلافات عادة بشكل سري ونادراً ما تظهر للعلن، ما يعكس وجود حساسية مؤسسية أعمق.
وساهم السياق الإقليمي في تصاعد هذه التوترات، إذ انتهجت الإمارات خلال السنوات الأخيرة سياسة خارجية أكثر حزماً شملت مناطق نزاع متعددة وتنافسات جيوسياسية ونفوذاً أمنياً متنامياً.
ويرى مراقبون أن هذا التحول نقل السياسة الخارجية من براغماتية اقتصادية حذرة إلى نشاط جيوسياسي أكثر اندفاعاً، ما أثار جدلاً حول دور الدولة في نزاعات الشرق الأوسط وأفريقيا والقرن الأفريقي.
وقد أثارت هذه التحولات مخاوف داخلية بشأن تداعياتها على النموذج الاقتصادي والعلاقات الإقليمية، خاصة في دبي التي اعتمدت تاريخياً على الانفتاح التجاري والاستثمار الدولي والتكامل الاقتصادي، حيث يشكل الاستقرار الإقليمي أساس صعودها كمركز تجاري عالمي.
وبرزت العلاقة مع المملكة العربية السعودية كعامل حساس في هذا السياق، إذ كشفت تطورات حديثة عن تنافس متزايد واختلاف في السياسات بين الجانبين، شمل ملفات اقتصادية وطاقوية ونفوذاً إقليمياً ونهج السياسة الخارجية.
وأبدت النخبة السياسية والتجارية في دبي اهتماماً خاصاً بالحفاظ على علاقات قوية مع السعودية باعتبارها ركيزة لاستقرار الخليج ونموه الاقتصادي، ما يجعل أي تدهور في هذه العلاقة مصدر قلق لمستقبل التكامل الإقليمي.
وحمل موقع الشارقة بعداً رمزياً في هذا المشهد، حيث حافظ الشيخ سلطان القاسمي على نموذج يركز على الهوية الثقافية واستمرارية المؤسسات والحوار الفكري، في مقابل نهج أكثر مركزية وأمنية مرتبط بأبوظبي، مع بروز اختلافات أوضح في الأولويات والخطاب.
وعكست التطورات ظهور رؤى متنافسة لمستقبل الاتحاد، بين نموذج يركز على المركزية والتوسع الجيوسياسي، وآخر يفضل الاستقرار الداخلي والعلاقات المتوازنة والبراغماتية الاقتصادية والحفاظ على التوازن التقليدي بين الإمارات.
وقد أصبح استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير السياسي مؤشراً على تغير المناخ السياسي، حيث انتقلت الرسائل من النقاشات المغلقة إلى العلن عبر خطاب رمزي وانتقادات غير مباشرة، ما يصعب إخفاء الخلافات بين النخب.
وتزامنت هذه المؤشرات مع مرحلة حساسة تواجه فيها الإمارات تحديات إقليمية متزايدة وضغوطاً اقتصادية وتدقيقاً دولياً في سياساتها الخارجية، إضافة إلى اشتداد المنافسة داخل الخليج، ما يزيد من صعوبة الحفاظ على التماسك الداخلي مع تباين الأولويات.
وتشير المعطيات إلى أن التوترات داخل قيادة الإمارات تعكس نقاشاً أعمق حول مستقبل الاتحاد، حيث تستمر الدولة في إظهار وحدتها علناً، مقابل بروز مؤشرات على هشاشة التوازنات الداخلية.
ولا ترقى هذه التطورات إلى قطيعة سياسية صريحة، لكنها تعكس تحولاً داخل أحد أكثر الأنظمة السياسية تماسكاً في المنطقة، مع طرح تساؤلات حول قدرة آليات التوازن التقليدية على احتواء هذه الخلافات خلال المرحلة المقبلة.
