طالب ناجون سودانيون المحكمة الجنائية الدولية بفتح تحقيق مع مسؤولين إماراتيين كبار وشخصيات أعمال بشأن دعمهم لجرائم ارتكبتها قوات الدعم السريع في إقليم دارفور، وذلك عبر مذكرة قانونية قُدمت في لاهاي تدعو إلى ملاحقة الداعمين الأجانب للجماعة شبه العسكرية.
وذكرت المذكرة المقدمة إلى مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، الثلاثاء، اسم منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس دولة الإمارات ضمن الشخصيات التي يُزعم أنها حافظت على علاقات وثيقة مع قوات الدعم السريع، وساهمت في تمويلها وتقديم دعم لوجستي لها.
وطلب مقدمو البلاغ من المدعين العامين فحص المسؤولية القانونية للوسطاء بموجب المادتين 25(3)(ج) و25(3)(د) من نظام روما الأساسي، المتعلقتين بالأشخاص الذين يساعدون أو يحرضون أو يساهمون عن علم في جرائم ترتكبها مجموعة تعمل لتحقيق هدف مشترك.
ونفت الإمارات مراراً الاتهامات بتزويد قوات الدعم السريع بالأسلحة أو تقديم أي شكل من أشكال الدعم لها.
لكن منذ منتصف عام 2023، خلصت عدة تحقيقات إلى أن أسلحة ومعدات وصلت إلى قوات الدعم السريع عبر جسر جوي من خلال أمجراس في تشاد، مع الإشارة المتكررة إلى الإمارات باعتبارها مورداً محتملاً.
وذكر موقع “ميدل إيست آي” البريطاني في يناير 2024 أن الإمارات كانت تزود قوات الدعم السريع بالأسلحة عبر شبكة معقدة من خطوط الإمداد والتحالفات الممتدة عبر ليبيا وتشاد وأوغندا والمناطق الانفصالية في الصومال.
كما يستند البلاغ الجديد أمام المحكمة الجنائية الدولية إلى مجموعة متزايدة من الأدلة بشأن التورط الأجنبي، من بينها تقرير نشره الموقع في أبريل كشف أن قوات الدعم السريع تلقت دعماً سرياً من قاعدة عسكرية إثيوبية في أسوسا بمنطقة بني شنقول ـ جوموز.
ووثّق التقرير وجود مركبات مشابهة في ميناء بربرة في أرض الصومال، حيث تحتفظ الإمارات بوجود عسكري.
وأشار البلاغ أيضاً إلى تحقيق أجرته صحيفة “نيويورك تايمز” عام 2024، ذكر أن الإمارات قامت بتهريب أسلحة إلى قوات الدعم السريع تحت غطاء المساعدات الإنسانية.
كما أفادت منظمة هيومن رايتس ووتش في مايو بأن مرتزقة كولومبيين تم توظيفهم عبر شركة مقرها الإمارات مروا من خلال قواعد عسكرية إماراتية قبل نشرهم في السودان.
ويطالب الضحايا المحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق ليس فقط مع منفذي عمليات القتل والانتهاكات، بل مع كل من دعم أو موّل أو سهّل وقوع تلك الجرائم.
وجاء تقديم البلاغ وفق المادة 15 من نظام روما الأساسي، وهي آلية تتيح للأفراد أو الجماعات أو المنظمات تقديم معلومات إلى المدعي العام بهدف دفعه لفتح تحقيق.
ولا تلزم هذه الآلية المدعي العام باتخاذ إجراء فوري، لكنها تفرض عليه دراسة المعلومات المقدمة، ويمكن استخدامها لاحقاً للحصول على إذن قضائي بفتح تحقيق رسمي.
وتمتلك المحكمة الجنائية الدولية بالفعل ولاية قضائية على دارفور بموجب إحالة من مجلس الأمن الدولي عام 2005، ما يسمح لها بملاحقة أفراد من أي جنسية على خلفية الجرائم المرتكبة هناك.
ويرى خبراء قانونيون أن هذه الولاية يمكن نظرياً أن تمتد إلى مواطنين إماراتيين متهمين بالمساعدة في ارتكاب جرائم قوات الدعم السريع، رغم الصعوبات المرتبطة بجمع الأدلة وضمان التعاون من دولة ليست طرفاً في المعاهدة المؤسسة للمحكمة.
وقالت إليز لو غال، المحامية المقيمة في باريس والتي قدمت البلاغ نيابة عن سبعة ضحايا موجودين حالياً في مخيم للنازحين بشمال السودان: “لا يمكن ارتكاب الجرائم الدولية بدون شبكات دعم”.
ودعت لو غال المدعين العامين إلى التدقيق في الجهات الاقتصادية والرسمية التي ربما ساعدت قوات الدعم السريع عبر التمويل أو الدعم اللوجستي أو توفير المعدات أو الأفراد.
وكان الضحايا الذين تقدمت المحامية بالبلاغ نيابة عنهم قد لجؤوا إلى مخيم للنازحين قدر موظفو الأمم المتحدة عدد سكانه بنحو 26 ألف شخص في فبراير، بعدما قطع كثيرون منهم مئات الأميال سيراً على الأقدام للوصول إلى مناطق أكثر أمناً.
وسقطت مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، في يد قوات الدعم السريع في 26 أكتوبر 2025 بعد حصار استمر أكثر من 500 يوم، تُرك خلاله أكثر من ربع مليون مدني محاصرين وسط نقص الغذاء والمياه والأدوية.
وأفاد مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بمقتل أكثر من 6000 شخص خلال الأيام الثلاثة الأولى من الهجوم.
كما وصف تحليل للأقمار الصناعية أجراه مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل السواتر الترابية التي أقامتها قوات الدعم السريع حول المدينة بأنها شكلت “صندوق قتل”.
وتتضمن الدعوى اتهامات بالقتل والتعذيب والاغتصاب والتهجير القسري والهجمات على المستشفيات، إلى جانب اتهامات بملاحقة المدنيين الفارين ودهسهم عمداً بالمركبات.
وقال الطبيب محمد إسماعيل عبد الرحمن حسن، الذي عمل على علاج المصابين خلال حصار الفاشر، في إفادته المقدمة إلى المحكمة الجنائية الدولية، إن الأسلحة الثقيلة التي حصلت عليها قوات الدعم السريع “دمرت البنية التحتية وحاصرت السكان المدنيين وقتلت المدنيين بشكل عشوائي”.
ويستند البلاغ كذلك إلى نتائج بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان، التي خلصت في فبراير إلى أن سلوك قوات الدعم السريع في الفاشر يحمل سمات الإبادة الجماعية، إضافة إلى جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.
وقالت منى رشماوي، العضوة في البعثة، إن عمليات قتل أفراد من قبيلتي الزغاوة والفور في المدينة تقود إلى استنتاج بأن الجناة تصرفوا بنية الإبادة الجماعية، داعية الحكومات إلى وقف تدفق الأسلحة إلى قوات الدعم السريع.
وحذرت من أن الدول الداعمة لأي طرف في النزاع تخاطر بالتورط في أعمال وصلت إلى مستوى الإبادة الجماعية.
وأكدت نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في وقت سابق أن مكتبها يحقق بالفعل في فظائع الفاشر، لكن رغم استمرار التحقيقات في الانتهاكات المنسوبة لقوات الدعم السريع منذ عام 2023، لم يطلب المدعون حتى الآن إصدار مذكرات توقيف بحق مواطنين سودانيين.
