كشف تحقيق مطول لصحيفة الغارديان البريطانية، عن صعود طحنون بن زايد آل نهيان إلى موقع يجمع بين النفوذ المالي والأمني والتكنولوجي في الإمارات، وسط انتقادات حادة بشأن الغموض المحيط بإمبراطوريته الاقتصادية، وسجل الأجهزة الأمنية التي أشرف عليها، والمخاوف من انتقال ترسانة من أدوات التجسس إلى قلب صناعة الذكاء الاصطناعي.
ووضع التحقيق طحنون في مركز منظومة شديدة الاتساع، إذ أظهر أن إمبراطوريته الاقتصادية تقدر بنحو 1.5 تريليون دولار، بينما تتولى كيانات مرتبطة به إدارة صناديق واستثمارات ومؤسسات مالية وشركات في قطاعات تمتد من الطاقة والعقارات إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وفي المقابل، يبقى الرجل بعيدًا عن الإعلام، ونادر الظهور، فيما يوقع كثير ممن يعملون معه اتفاقيات عدم إفصاح، ما يجعل تحديد حجم نفوذه الحقيقي وتركيبته المالية مهمة شديدة الصعوبة.
وطرح التحقيق سؤالًا أساسيًا حول الحدود الفاصلة بين ثروة طحنون الشخصية وثروة العائلة الحاكمة والأصول التي يفترض أنها تعود للدولة.
ونقل التحقيق عن الباحثة الإماراتية ميرا الحسين أن تجارًا داخل الإمارات يشتكون، بصورة سرية، من إقصاء طحنون لهم من السوق، خصوصًا في قطاع الرعاية الصحية، حيث تهيمن صناديق الثروة السيادية والشركات المرتبطة به، بينما قال مسؤول تنفيذي إن القطاع الخاص “لا يستطيع المنافسة”.
ولا يتوقف الجدل عند النفوذ الاقتصادي، إذ يرتبط اسم طحنون، وفق التحقيق، بتاريخ أمني مثير للانتقادات. فقد تولى منصب مستشار الأمن القومي ثم أصبح رئيسًا لجهاز المخابرات، في وقت شهدت فيه الإمارات توسعًا كبيرًا في عمليات المراقبة الإلكترونية واستهداف المعارضين.
ويشير التحقيق إلى أن مشروع “ريفن”، الذي بدأ تحت غطاء مكافحة الإرهاب، تحول إلى عملية تنصت رقمية استهدفت، بحسب المادة، ليس فقط أشخاصًا متهمين بالإرهاب، وإنما أيضًا معارضين للنظام الإماراتي.
وتزداد الانتقادات حدة مع الإشارة إلى أن المشروع توسع خلال فترة قيادة طحنون للأمن ليشمل عمليات قرصنة ومراقبة طالت معارضين ونشطاء حقوق إنسان وصحفيين وسياسيين خارج الإمارات.
كما ربط التحقيق هذه المرحلة بشركة “دارك ماتر”، التي أغلقت رسميًا لاحقًا، بينما واجه عدد من المتعاقدين الأمريكيين المرتبطين بالمشروع دعاوى قضائية في الولايات المتحدة.
وتبرز قضية الأكاديمي البريطاني ماثيو هيدجز باعتبارها واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل. فقد اعتُقل هيدجز في الإمارات عام 2018 واتهم بالتجسس، وقال إنه تعرض للحبس الانفرادي والاستجوابات الطويلة وسوء المعاملة.
وينقل التحقيق عنه أنه ربط التسلسل القيادي الأمني في النهاية بطحنون، فيما نفت الإمارات لاحقًا تعرضه للتعذيب أو المعاملة القاسية. وبعد الإفراج عنه، يقول التحقيق إن حملة تشويه استهدفته تضمنت نشر معلومات شخصية وتقرير طبي نفسي.
كما يعرض التحقيق قضية الناشط الإماراتي أحمد منصور، الذي اعتُقل بعد دعوات إلى إصلاحات سياسية، ويقول إن أجهزة الأمن الإماراتية استهدفته بعمليات إلكترونية واسعة.
ووفق التحقيق، تمكنت عملية اختراق من الوصول إلى بياناته الخاصة، كما اخترق جهاز مراقبة طفله وحُوّل إلى أداة للتنصت على حياته الأسرية. وحُكم على منصور بالسجن عشر سنوات ولا يزال، بحسب التحقيق، محتجزًا في سجن الصدر.
وتنتقل الانتقادات إلى المجال الأكثر حساسية بالنسبة إلى طحنون حاليًا: الذكاء الاصطناعي. فقد تحولت شركة G42 إلى إحدى أهم أدوات طموحه التكنولوجي، فيما يشير التحقيق إلى أن جذور الشركة ترتبط بخبرات وأشخاص سبق أن عملوا في منظومة “دارك ماتر” و”ريفن”. ويثير ذلك مخاوف بشأن الجمع بين القدرات المتقدمة في الذكاء الاصطناعي والخبرة السابقة في مجال التجسس والمراقبة.
وتزداد هذه المخاوف مع تاريخ تطبيق “توتوك”، الذي وصفته تقارير سابقة بأنه أداة تجسس قادرة على تتبع محادثات المستخدمين وحركتهم وعلاقاتهم وأصواتهم وصورهم. وتنفي G42 أن تكون أصولها مرتبطة بعمليات تجسس إلكتروني أو مراقبة غير قانونية، وتؤكد أن أعمالها تخضع للقوانين وأطر حماية البيانات والأمن والامتثال.
ويثير التحقيق كذلك أسئلة حول علاقات طحنون السياسية والاقتصادية في الولايات المتحدة، خصوصًا مع إدارة دونالد ترامب.
فقد حذرت أجهزة استخبارات أمريكية سابقًا من محاولات أبوظبي التأثير في السياسة الخارجية الأمريكية، بينما حصلت G42 لاحقًا على إمكانية الوصول إلى كميات كبيرة من أحدث رقائق الذكاء الاصطناعي الأمريكية. وجاء ذلك بعد استثمارات مرتبطة بطحنون في شركات مرتبطة بعائلة ترامب، وهي علاقات نفت الأطراف المعنية وجود صلة بينها وبين صفقة الرقائق.
ويخلص التحقيق إلى أن الجدل حول طحنون بات يرتبط بالسؤال عن مستقبل التكنولوجيا عندما تقع بنيتها الأساسية في يد شخصية تجمع بين السلطة الأمنية والثروة الهائلة والطموح التكنولوجي.
وتقول الباحثة ميرا الحسين إنها قلقة من نظرته إلى العالم، فيما يحذر التحقيق من أن امتلاك أدوات الذكاء الاصطناعي من جانب شخصية مرتبطة بمنظومة أمنية واسعة قد يثير مخاوف بشأن الخصوصية والمراقبة وإمكانية إساءة استخدام التكنولوجيا.
وبذلك، يقدم التحقيق صورة لرجل يتحرك عند نقطة التقاء المال والاستخبارات والذكاء الاصطناعي، فيما تبقى أجزاء واسعة من إمبراطوريته ونشاطه خلف جدار من السرية، وتستمر الأسئلة حول ما إذا كان صعوده التكنولوجي يمثل تحولًا اقتصاديًا للإمارات أم انتقالًا لأدوات النفوذ والمراقبة إلى مرحلة أكثر تطورًا.
