موقع إخباري يهتم بفضائح و انتهاكات دولة الامارات

من رافين إلى الذكاء الاصطناعي.. إمبراطورية التجسس الإماراتية تتمدد إلى مستوى عالمي

427

حذرت منصة “ذا دارك بوكس” الاستخبارية، من أن انتقال الإمارات من امتلاك أدوات تجسس إلكترونية متقدمة إلى بناء واحدة من أكبر منظومات الذكاء الاصطناعي في المنطقة يفتح الباب أمام مخاطر تتجاوز حدود الخصوصية وحقوق الإنسان، لتصل إلى الأمن الدولي والسيادة الديمقراطية، في ظل سجل إماراتي موثق في استخدام قدرات إلكترونية ضد معارضين وصحفيين ونشطاء وأهداف سياسية خارج البلاد.

وقالت المنصة إن الإمارات لا تدخل سباق الذكاء الاصطناعي من موقع دولة تكنولوجية ناشئة بلا تاريخ أمني، بل تأتي إلى هذا المجال بعد سنوات من تطوير جهاز واسع للمراقبة الإلكترونية، كان مشروع “رافين” أحد أبرز مكوناته، حيث استعانت أبوظبي بموظفين سابقين في أجهزة الاستخبارات والجيش الأمريكي لتطوير قدرات هجومية متقدمة.

وأوضحت أن مشروع “رافين” لم يقتصر على مواجهة التهديدات الأمنية التقليدية، وإنما استُخدم، وفق وثائق وشهادات نقلتها، لاستهداف معارضين سياسيين وصحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان وشخصيات ومصالح سياسية أجنبية.

وقد أدى نشاط البرنامج إلى فتح تحقيق أمريكي انتهى عام 2021 باتفاقات مع ثلاثة أمريكيين سابقين في الاستخبارات والجيش، وافقوا على دفع أكثر من 1.68 مليون دولار لتسوية اتهامات مرتبطة بانتهاك قوانين مراقبة الصادرات والاحتيال الإلكتروني وقوانين أجهزة الوصول.

وأشارت المنصة إلى أن القدرات التي امتلكها البرنامج تضمنت أدوات اختراق متطورة لا تتطلب من الضحية حتى الضغط على رابط خبيث، معتبرة أن خطورة التجربة لا تكمن في التقنية وحدها، وإنما في استخدامها ضمن منظومة أمنية تابعة لحكومة لا تسمح بمعارضة سياسية حقيقية.

وتوسعت أنشطة “رافين” خارج الحدود الإماراتية، بحسب التحقيق، إذ شملت عمليات المراقبة صحفيين ونشطاء وشخصيات سياسية ومصالح حكومات أجنبية. كما أشارت المنصة إلى تقارير سابقة ربطت عمليات للبرنامج باستهداف شخصيات إعلامية عربية وصحفيين وناشطين في الخارج.

وانتقلت قدرات المشروع لاحقًا إلى شركة “دارك ماتر” الإماراتية للأمن السيبراني، فيما ربط مختبر “سيتيزن لاب” منظومة “ستيلث فالكون” المرتبطة بالإمارات بالشركة، ووثق استهداف المدافع الإماراتي عن حقوق الإنسان أحمد منصور.

وتبرز قضية منصور، بحسب التحقيق، باعتبارها أحد أكثر الأمثلة وضوحًا على مخاطر استخدام أدوات التجسس المتطورة ضد المعارضين.

ففي عام 2016 تلقى منصور رسائل تتضمن روابط زُعم أنها تحتوي على معلومات عن التعذيب داخل السجون الإماراتية، لكن الباحثين اكتشفوا أنها كانت تستغل ثغرات خطيرة في أجهزة آيفون، وكان من شأن فتحها تحويل الهاتف إلى أداة مراقبة قادرة على الوصول إلى الاتصالات والميكروفون والكاميرا وتتبع تحركات المستخدم.

وربط “سيتيزن لاب” العملية بالحكومة الإماراتية، قبل أن يُعتقل منصور ويحكم عليه بالسجن عشر سنوات.

وترى “ذا دارك بوكس” أن هذه الخلفية تكتسب أهمية أكبر مع صعود الإمارات في مجال الذكاء الاصطناعي، خصوصًا مع الدور المتزايد للشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، مستشار الأمن القومي ورئيس مجموعة “جي 42″، التي تمثل إحدى الركائز الرئيسية لطموحات أبوظبي التكنولوجية.

وتلفت المنصة إلى أن الأمن القومي والثروة السيادية والبنوك والبنية التحتية للبيانات والذكاء الاصطناعي أصبحت متشابكة داخل شبكة مؤسسات مرتبطة بصورة وثيقة بالقيادة الإماراتية، معتبرة أن هذا التركيز الشديد للسلطة والمال والتكنولوجيا يطرح أسئلة حول آليات الرقابة على استخدام القدرات الجديدة.

وتتمثل المخاوف الأساسية، وفق التحقيق، في أن الذكاء الاصطناعي قادر على توسيع نطاق المراقبة بصورة هائلة. فبدل استهداف هاتف أو شخص محدد، تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي معالجة ملايين السجلات في وقت واحد، ورسم خرائط للعلاقات الاجتماعية، وتحليل بيانات الاتصالات والمواقع، والتعرف على الوجوه، وتصنيف الوثائق والرسائل واكتشاف الأنماط السلوكية.

وتقول المنصة إن ذلك قد يحول المراقبة من أداة تستهدف أشخاصًا محددين إلى بنية تحتية قادرة على تحليل مجتمعات وشبكات كاملة، وهو تحول ترى أنه أكثر خطورة عندما يتعلق الأمر بدولة سبق أن امتلكت خبرة في عمليات المراقبة العابرة للحدود.

وتتزامن هذه المخاوف مع توسع الشراكات الإماراتية مع شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى. فقد أعلنت مايكروسوفت عام 2024 استثمارًا بقيمة 1.5 مليار دولار في “جي 42″، بينما انضمت الشركة الإماراتية إلى مشروع “ستارغيت الإمارات” للذكاء الاصطناعي بمشاركة شركات أمريكية ودولية كبرى، مع خطط لبناء بنية حوسبة ضخمة في أبوظبي.

كما سمحت واشنطن لـ”جي 42″ بالحصول على قدرة حوسبة تعادل ما يصل إلى 35 ألف شريحة متقدمة من نوع “إنفيديا بلاكويل”، وفق ترتيبات أمنية وشروط تتعلق بالإبلاغ.

وترى “ذا دارك بوكس” أن النقاش الدولي ركز بدرجة كبيرة على احتمال انتقال التكنولوجيا الأمريكية إلى الصين، بينما يجب، بحسب التحقيق، طرح سؤال آخر يتعلق بكيفية استخدام هذه القدرات من جانب الحكومة التي تحصل عليها.

وتحذر المنصة من أن المعلومات التي تجمعها أنظمة المراقبة يمكن أن تتحول إلى أداة نفوذ سياسي وجيوسياسي، لأنها قد تكشف مواقف التفاوض، ومصادر الصحفيين، وشبكات المعارضين، والعلاقات بين المؤسسات والشخصيات السياسية.

وتخلص “ذا دارك بوكس” إلى أن القضية لم تعد مجرد توسع إماراتي في الاستثمار التكنولوجي أو بناء مراكز بيانات ضخمة، وإنما تتعلق بتركيز قدرات حوسبية وذكاء اصطناعي متطور داخل دولة ذات سجل طويل في المراقبة الإلكترونية.

وبحسب المنصة، فإن انتقال أبوظبي من القدرة على اختراق هاتف شخص واحد إلى امتلاك أنظمة قادرة على تحليل شبكات ومؤسسات ومجتمعات بأكملها يمثل تحولًا نوعيًا في حجم القوة الرقمية التي يمكن أن تمتلكها الإمارات، ويجعل الرقابة على هذه القدرات، وآليات استخدامها، وحدودها القانونية والسياسية، قضية تتجاوز الإمارات لتصبح موضع اهتمام دولي.