موقع إخباري يهتم بفضائح و انتهاكات دولة الامارات

الإمارات تبتلع مصر.. تحالف المال والهيمنة يفاقم الغضب المكتوم

486

تشهد العلاقات بين مصر والإمارات إحدى أكثر مراحلها حساسيةً وتوتراً سياسياً منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي السلطة في وقت يفاقم تحالف المال والهيمنة الغضب المكتوم بين البلدين.

فخلف الصورة المُنمّقة للشراكة الاستراتيجية والتعاون الاقتصادي والمصالح الإقليمية المشتركة، تطفو على السطح طبقة أعمق من انعدام الثقة والاستياء لدى كلا الجانبين.

ويتزايد استياء المصريين مما يرونه نقلاً ممنهجاً للأصول الوطنية والأراضي والسيادة الاقتصادية إلى مستثمرين خليجيين، وخاصةً من الإمارات. في المقابل، تنظر النخب الإماراتية إلى مصر على أنها ناكرة للجميل رغم سنوات من الدعم المالي والاستثمارات وعمليات الإنقاذ الاقتصادي.

وقد تجلى هذا التحول في الأجواء خلال زيارة السيسي الأخيرة إلى أبوظبي، حيث أفادت التقارير أن مصر عرضت مساعدة عسكرية ودعماً جوياً للدفاع عن الإمارات وسط تصاعد التوترات الإقليمية في أعقاب الحرب الدائرة حول إيران.

وفي السنوات السابقة، كان من الممكن أن تُقابل مثل هذه البادرة باحتفالات فخمة تُبرز الشراكة الاستراتيجية بين الدولتين. بدلاً من ذلك، استضاف محمد بن زايد الرئيس المصري بهدوء على مائدة شاي داخل مركز تجاري، بدلاً من أحد القصور الملكية التي تُعتبر تقليدياً رمزاً للدبلوماسية الرسمية رفيعة المستوى.

ورغم أن الأمر بدا بسيطاً للوهلة الأولى، إلا أن رمزيته لاقت صدى واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية المصرية. فقد فسّر كثيرون هذه البادرة على أنها تعكس تحولاً أوسع في موازين القوى بين القاهرة وأبوظبي، حيث تبدو مصر أقل شبهاً بشريك استراتيجي متكافئ، وأكثر شبهاً بدولة تعتمد مالياً وتتفاوض من موقع ضعف. وقد أصبح هذا التصور محورياً في تزايد استياء المصريين من العلاقات الخليجية نفسها.

ففي السنوات الأخيرة، أجبرت الأزمة الاقتصادية الحادة التي عصفت بمصر القاهرة على الدخول في سلسلة من صفقات الخصخصة والاستثمار الضخمة التي شملت صناديق الثروة السيادية والمستثمرين الخليجيين.

واستحوذت شركات وهيئات استثمار إماراتية على حصص كبيرة في الموانئ، والمشاريع الساحلية، والمناطق السياحية، والمشاريع العقارية، وممرات الخدمات اللوجستية، والبنية التحتية للطاقة، والقطاعات الاقتصادية الاستراتيجية في جميع أنحاء مصر.

ويبرز النقاد داخل مصر أن ثمن هذا الدعم الإماراتي للقاهرة أصبح باهظاً سياسياً ونفسياً. إذ بالنسبة للعديد من المصريين، لا يُمثل بيع الأراضي الاستراتيجية والبنية التحتية والأصول الوطنية لمستثمرين خليجيين أثرياء تعاونًا اقتصاديًا، بل تآكلًا تدريجيًا للسيادة مدفوعًا باليأس.

وقد أدى الجدل الدائر حول عمليات الاستحواذ الخليجية واسعة النطاق في المناطق الساحلية والجزر والموانئ ومناطق التنمية إلى تفاقم المخاوف القومية من فقدان مصر السيطرة على مواردها الوطنية الثمينة لصالح قوى مالية خارجية.

ويزداد الاستياء حدةً لأن العديد من المصريين يرون العلاقة غير متكافئة بشكل متزايد. لطالما اعتبرت مصر نفسها المركز السياسي والثقافي للعالم العربي. ومع ذلك، يشعر العديد من المصريين اليوم أن بلادهم أصبحت تعتمد ماليًا على ممالك خليجية أصغر بكثير، تسمح لها ثروتها بممارسة نفوذ هائل على القرارات الاقتصادية والسياسية المصرية.

ويُفسر هذا البُعد العاطفي والرمزي سبب توليد التوترات المحيطة بالاستثمارات الإماراتية ردود فعل تتجاوز بكثير الانتقادات الاقتصادية العادية. فهذه القضية تمس الهوية المصرية وكرامتها وسيادتها وتصورها التاريخي لذاتها بشكل مباشر.

أما من وجهة النظر الإماراتية، فيبدو الوضع مختلفًا تمامًا. إذ يعتقد المسؤولون الإماراتيون ونخب الأعمال بشكل متزايد أن الإمارات أنقذت مصر مرارًا وتكرارًا خلال فترات الأزمات المالية دون أن تتلقى سوى القليل من التقدير في المقابل. وقدمت أبوظبي مليارات الدولارات على شكل ودائع واستثمارات ومنح ومساعدات اقتصادية خلال العقد الماضي.

وكثيراً ما يصوّر صناع القرار الإماراتيون هذا الدعم على أنه ضروري للحفاظ على استقرار مصر خلال فترات الاضطرابات السياسية والاقتصادية الهائلة.

ونتيجة لذلك، بات العديد من الإماراتيين يفسرون الانتقادات المصرية على أنها غير عادلة وتنم عن جحود سياسي. ويبدو أن هذا الإحباط يتزايد داخل الأوساط السياسية الإماراتية، لا سيما مع تصاعد التوترات الإقليمية ومواجهة الإمارات نفسها لضغوط استراتيجية واقتصادية متزايدة.

وتتوقع أبوظبي بشكل متزايد التوافق السياسي والتنسيق الأمني والولاء الاستراتيجي من الشركاء المستفيدين من الدعم المالي الإماراتي.

ولذلك، أصبح البعد العسكري للعلاقة أكثر حساسية. وقد عكست التقارير الأخيرة بشأن الانتشار العسكري المصري والدعم الجوي داخل الإمارات هذا التحول بوضوح.

وذكرت التقارير أن مصر وسّعت التنسيق العسكري مع أبوظبي وسط مخاوف من تصعيد إقليمي أوسع. ومع ذلك، فقد أثار هذا الانتشار أيضاً تكهنات في جميع أنحاء المنطقة بأن المساعدات المالية الخليجية وترتيبات الحماية الاستراتيجية أصبحت متشابكة بشكل متزايد مع المساومة والنفوذ السياسي الأوسع.

وفي الوقت نفسه، أثار تزايد اندماج الإمارات عسكرياً وأمنياً مع إسرائيل، وموقفها الإقليمي العدائي، استياءً في أوساط سياسية وشعبية مصرية. ولا يزال العديد من المصريين يكنّون عداءً شديداً للسياسات الإقليمية الإسرائيلية، لا سيما في ظل الحرب الدائرة في غزة والاتهامات الموجهة لإسرائيل بانتهاكات ضد المدنيين الفلسطينيين.

ويخلق هذا تناقضاً متزايداً بالنسبة للقاهرة. فمن جهة، تعتمد مصر اعتماداً كبيراً على استثمارات ودعم دول الخليج. ومن جهة أخرى، يُنذر تعميق اندماج الإمارات في أطر الأمن الإقليمي الأمريكية الإسرائيلية الأوسع نطاقاً بردود فعل سياسية سلبية داخل مصر نفسها، حيث لا يزال الرأي العام شديد الحساسية تجاه فلسطين وقضايا السيادة الإقليمية.

كما يُعيد التفاوت الاقتصادي بين البلدين تشكيل النزعة السياسية للعلاقة بينهما. فالإمارات تتصرف بشكل متزايد انطلاقاً من ثقة كونها قوة مالية ثرية قادرة على بسط نفوذها من خلال الاستثمار والاستحواذات والشراكات الاستراتيجية والرافعة الاقتصادية.

في المقابل، تتفاوض مصر بشكل متزايد من موقع يتأثر بضغوط الديون وعدم استقرار العملة والتضخم والاعتماد على التمويل الخارجي. ويؤثر هذا التفاوت حتماً على الديناميكيات السياسية بين الحكومتين.

ومع ذلك، ورغم تصاعد التوترات والاستياء المتبادل، لا يبدو أن أيًا من الطرفين مستعد للسماح بانهيار العلاقة تمامًا. فبالنسبة لمصر، يبقى الدعم الخليجي ضروريًا من الناحية الاقتصادية، ولا تستطيع القاهرة تحمل قطيعة كاملة مع أبوظبي في ظل مواجهتها لتحديات اقتصادية هائلة وعدم استقرار إقليمي. وتظل الاستثمارات الإماراتية والسياحة والودائع والدعم المالي عناصر أساسية في استراتيجية مصر للبقاء الاقتصادي.

أما بالنسبة للإمارات، فتبقى مصر ذات أهمية استراتيجية بالغة بحيث لا يمكن عزلها تمامًا. فثقل القاهرة العسكري، وحجم سكانها، وموقعها الجغرافي، وسيطرتها على قناة السويس، ونفوذها في العالم العربي، كلها عوامل تجعل مصر ركيزة أساسية في حسابات الاستقرار الإقليمي.

كما تدرك الإمارات أن عدم الاستقرار داخل مصر سيخلق عواقب وخيمة على الشرق الأوسط بأسره، مهددًا طرق التجارة وأنماط الهجرة والأمن الإقليمي والتوازن الجيوسياسي الأوسع.

ويفسر هذا الاعتماد المتبادل سبب إدارة التوترات بين القاهرة وأبوظبي بعناية رغم تزايد الإحباط الكامن. ومع ذلك، بات من الصعب تجاهل المشكلة الهيكلية الكامنة، فالعلاقة باتت أشبه بتحالف قائم على المصالح المتبادلة، مبني على التبعية المالية، بدلًا من شراكة راسخة على المساواة الاستراتيجية الحقيقية.

وكلما زاد اعتماد مصر على آليات الإنقاذ المالي الخارجية، كلما أصبح النفوذ الخليجي داخل المجتمع المصري أكثر حساسية من الناحية السياسية.

وفي الوقت نفسه، كلما زاد استثمار دول الخليج ماليًا وسياسيًا في مصر، ارتفعت توقعاتها بشأن الولاء والتنسيق والتحالف السياسي. هذه الديناميكية تُنذر بدائرة من الاستياء لدى الطرفين.

ويشعر المصريون بتزايد شعورهم بالإهانة جراء التبعية الاقتصادية واستحواذ الأجانب على الأصول الوطنية، بينما يشعر الإماراتيون بإحباط متزايد مما يعتبرونه انتقادات مستمرة رغم الدعم المالي الضخم. والنتيجة هي تحالف يبقى ضروريًا استراتيجيًا للحكومتين، ولكنه في الوقت نفسه هش عاطفيًا وسياسيًا.

وفي الختام، فإن الاستقبال المتواضع للسيسي في أبوظبي يرمز إلى ما هو أبعد من مجرد خيار أسلوبي دبلوماسي. لقد عكس الواقع المتغير للقوة والتبعية والتصورات التي تُشكل إحدى أهم العلاقات الثنائية في العالم العربي.

وتحت ستار الأخوة والشراكة الاستراتيجية، يكمن خلل متزايد يُولد غضبًا مكتومًا وشكوكًا متبادلة وروايات متضاربة حول الولاء والسيادة والنفوذ الإقليمي.

ولا تستطيع القاهرة ولا أبوظبي في الوقت الراهن تحمل مواجهة شاملة، إلا أن التوترات التي تظهر الآن علنًا تشير إلى أن أسس العلاقة أصبحت متوترة بشكل متزايد تحت ضغوط الأزمة الاقتصادية وعدم الاستقرار الإقليمي وديناميكيات القوة المتغيرة في الشرق الأوسط.