موقع إخباري يهتم بفضائح و انتهاكات دولة الامارات

إدانة رسمية لتهديد الإمارات أمن منطقة القرن الأفريقي

0 14

كشف التقرير السنوي لحالة السلم والأمن في أفريقيا، أن التدخلات الإماراتية في القرن الأفريقي أسهمت في تعقيد العلاقات الثنائية بين دول المنطقة، الأمر الذي سوف يتسبب في إفشال أي مساعٍ للإصلاحات الإقليمية.

وقال التقرير -الذي أُطلق ضمن النسخة الثامنة من منتدى “تانا” للسلم والأمن المقام بمدينة “بحر دار” شمالي إثيوبيا- إن ما تقوم به الإمارات من عسكرة بمنطقة البحر الأحمر، ستكون له تداعيات أمنية عديدة على المنطقة.

وأشار التقرير إلى أن صفقات التعاون التي أبرمتها الإمارات مع أرض الصومال وبونت لاند، كانت انتهازية، إذ لم تأخذ في الحسبان ما ستسببه من تعقيدات وانقسامات بين هاتين الإدارتين والحكومة المركزية في الصومال.

كما أكد أن سياسة التدخل الإماراتي في شؤون القرن الأفريقي من شأنها إضعاف الهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا (إيغاد) وبنيتها الأمنية، خاصة من خلال إثارة شكوك بعض حلفاء الخليج التقليديين، مثل السودان وجيبوتي.

وبحث منتدى “تانا” للسلم والأمن على مدى اليومين الماضيين عددا من القضايا والمسائل المتعلقة بالسلم والأمن والقضايا الأفريقية، وسلط الضوء على الديناميات السياسية في القرن الأفريقي، مع التركيز بشكل خاص على السلام بين إثيوبيا وإريتريا باعتباره نموذجا في المنطقة.

وقد تأسس منتدى “تانا” عام 2009، بهدف تنفيذ “إعلان طرابلس” الصادر عن القمة الأفريقية الاستثنائية التي عقدت في العام ذاته وخصصت للنزاعات في القارة الأفريقية.

ومنذ تأسسيه مثل منبرا تشاوريا سنويا يجمع الخبراء مع الساسة والقادة الأفارقة لاستكشاف الحلول الأمنية لمشاكل القارة السمراء.

وتعمل دولة الإمارات بمواردها الضخمة وشهيتها المفتوحة على توكيد حضورها في منطقة القرن الأفريقي كما لم تفعل من قبل.

فطفرةُ الاقتصاد الجديد والاستثمارات العسكرية يعيدان رسم ديناميكيَّات الجيوبوليتيكا على ضفتَيْ البحر الأحمر، بالانصهار السريع لمنطقتين سابقتين في بوتقة واحدة.

إنَّ ظهور حلبة سياسية واقتصادية مشتركة، على امتدادِ أشد المسارات التجارية أهمية، يتيح فرصا للتنمية والتكامل. لكنّه يطرح مجازفات ضخمة في الوقت نفسه، فبالنسبة إلى الدول الأفريقية الهشّة على الشواطئ الغربية للبحر الأحمر، قد تمخض هذا الارتباط الجديد بقوى خارجية عن عوائد إيجابية وسلبية على حد سواء.

ضمن مساعيها لبسط نفوذها في منطقة القرن الأفريقي، تقوم الإمارات بتصدير مشاحنات الشرق الأوسط إلى منطقة هي مشحونة سلفا. وهي ليست القوة الخارجية الوحيدة التي بدأت تولي اهتماما لهذا الجوار الذي كان خاملا فيما مضى.

فقد أسست الصين مؤخرا ولأول مرة أول منشأة عسكرية خارجية لها في جيبوتي، على بُعد ستة أميال فحسب من القاعدة الأميركية في أفريقيا، معلنة البحر الأحمر مسرحا جديدا لتنافسِ القوى العظمى.

في قلب هذا التنافس يقعُ مضيقُ باب المندب، وهو معبر ضيق للشحن البحري تمرُّ عبره مئات مليارات الدولارات من النفط وصادرات أخرى ما بين أوروبا، وآسيا، والخليج. على امتداد المضيق مباشرة لدينا شواطئ اليمن، وعلى ربوعها تواصل إحدى أفظع الحروب، وأكثر المعارك بالوكالة احتداما، هيجانها.

في هذه الأثناء، تجري تغييرات تاريخية في القرن الأفريقي: فإثيوبيا تختبرُ نموا اقتصاديا بمعدّلات متزايدة وتمرُّ بأحد أكثر انتقالاتها السياسية جذرية منذُ تسعينيّات القرن الفائت. أما إريتريا، المنبوذة لسجلّ حقوق الإنسان لديها، فقد تخلصت من نظام عقوبات الأمم المتحدة الذي رزحت تحته لعقود.

العام الفائت، فوجئ المواطنون والمراقبون على حد سواء بتقارب البلدين بعد خصومة دامت طويلا. في حين ربما تسلك حكومة الصومال الفيدرالية، مدعومة بتعاون إقليمي جديد، منعطفا بعد عقود من انعدام الاستقرار.

إن تأثير هذا الارتباط على التغيير بعيد المدى في القرن الأفريقي هو منوط بالطريقة التي ستُدير بها الدول الأفريقية العلاقات غير المتماثلة مع الشركاء الخليجيين. على هذه الدول الهشّة، والمكبّلة سلفا بتقلباتها الداخلية، أن تجد طريقة لضخ الاستثمار دون التخلي عن سيادتها أو الانجرار وراء عداوات سياسية مكاسبها ضئيلة جدا.

منذ عام 2015 ودول الخليج بثرائها الفاحش في سباق محموم على العقارات على ساحل البحر الأحمر. فقد تزايدت المرافئ البحرية والبؤر العسكرية الجديدة في ظل سعي هذه الدول لاقتناص مواقع استراتيجية في جيبوتي وإريتريا والصومال والسودان وحتى اليمن.

لقد سعت دول الخليج بضراوة خلف هذه المواقع كجزء من جهود أكبر لإعادة صوغ النظام الإقليمي وفرض نفسها كأطراف فاعلة على الساحة العالمية.

تتوقعُ دول الخليج، وبالأخص الإمارات العربية المتحدة، أن تتيح لها المرافئ التجارية الجديدة في القرن الأفريقي الوصول إلى الطبقة الآخذة في النمو من المستهلكين في أفريقيا.

وتأمل أبو ظبي بأن تُمكّنها هذه الاستحواذات، بالإضافة إلى المرافئ في اليمن، من تشكيل مستقبل التجارة البحرية في البحر الأحمر وغرب المحيط الهندي، لا سيما مع نمو التجارة الصينية في المنطقة بفضل مبادرة “الحزام والطريق”، واهتمامها بالمنطقة له دواعٍ عسكرية أيضا، فقد أسست دول الخليج منشآت عسكرية تُمكّنها من مواصلة حربها في اليمن على المدى القريب، وحماية مصالحها الأمنية من تهديدات مثل إيران والتطرف العنيف على المدى البعيد. وأخيرا، فإنَّ الأراضي والشراكات المعقودة مع هذه الدول الأفريقية هي بمنزلة سياج فاصل ضد الخصوم في هذه الأوقات المشحونة بين دول الخليج العربي.

حتى الآن، كان لانخراط الإمارات ودول أخرى فوائد عابرة لبعض الدول الأفريقية، لكنه أجّج الاستقطاب في بعضها الآخر. حيث وفّر ضخُّ الأموال الإماراتية إلى إثيوبيا، على سبيل المثال، دعما مؤقتا للبلاد في وجه أزمة الديون الخانقة التي تعانيها، مما أطال أمد شهر العسل لرئيس وزرائها الجديد، آبي أحمد.

فقد تمكّن أصغرُ قادة أفريقيا، بعمر 42 عاما، من التغلب على الحرس القديم للبلاد وتفكيك الدولة الأمنية التي قاموا بهندستها، فأنهى حالة الطوارئ، وأطلق سراح آلاف المعتقلين السياسيين، وخفف من القيود المفروضة على الإعلام وحرية التعبير، من بين إصلاحات أخرى. ويخطط آبي أيضا لخصخصة الصناعات الكبرى، كما قام بتعيين أعداد قياسية من النساء في المناصب الرفيعة، ليكسب بذلك قلوب الجميع داخل البلاد وخارجها.

غير أن الحماسة المتّقدة أو ما يطلق عليه “آبي مانيا” سُرعان ما ستخفت مع العقبات التي تنتظر أجندة آبي للتغيير، بما فيها الاضطرابات التي تنتشر في المناطق الإثنية من إثيوبيا. استقرار بلد يصل تعداد سكانه حتى 100 مليون نسمة يعتمد على قدرة آبي على المُضي قُدما ببرنامج إصلاحاته الطموح بالترافق مع الاستجابة لمطالب الشعب، ودحض الشكوك، والتغلب على الإحساس المتفشي بانعدام اليقين. بالتالي فإنه سيكون من الحكمة لدول الخليج خصوصا الإمارات كبح جماح شهيتها، وممارسة الصبر، وتفادي إقحام الانقسامات الخليجية في بيئة هي هشّة سلفا.

من جانبه، أحجم آبي بذكاء عن الانحياز لطرف من أطراف الأزمة الخليجية في 2017. ومع أنه قبل بالدعم والشراكة الإماراتيين (بما فيها مليارا دولار أميركي إضافي هي قيمة تعهدات بالاستثمار)، فإنه كان حذرا، مُدركا أن ظهوره كوكيل لأبوظبي أو الرياض سيقلل من هيبته أمام شعبه.

في إريتريا المجاورة، استفادَ الرئيس أسياس أفورقي من دول الخليج بشكل أوضح، على الأقل للمَدى المنظور. فقد ساعدت الاستثمارات الجديدة من السعودية والإمارات في تأهيل نظامه من العزل الطويل. عندما انضم التحالف السعودي الإماراتي إلى حرب اليمن في 2015، كان بحاجة إلى موقع تُشنُّ منه الحملات الجوية والبحرية، ووقع الاختيار على المدينة الإريترية السواحلية عصب، مما حوّل المدينة إلى قاعدة عسكرية ضخمة.

بعد الخلاف الحادّ مع جيبوتي بشأن عملية على مينائها الرئيسي، تحرص أبوظبي أيضا على إعادة تطوير الميناء التجاري المتهالك في عصب وتحويله إلى حبل إنقاذ رئيسي لزعيم المنطقة الاقتصادي، إثيوبيا.

العلاقة السعودية الإماراتية الجديدة ساهمت أيضا في رفع العقوبات المفروضة على النظام الإريتري من قِبل الأمم المتحدة، وسهّلت التقارب المبدئي بين أسمرا وأديس أبابا. قامت هذه الملكيّات لاحقا بدعوة أفورقي وآبي للاحتفال بالاتفاق التاريخي ضمن مراسم أُقيمت في جدة وأبوظبي. لكن التطبيع بين البلدين الأفريقيين ما زال في بدايته فحسب.

على الرغم من دواعي التفاؤل، يتعيّن على قادة الخليج إيلاء اهتمام أكبر للحسابات السياسية الداخلية التي تسرّع هذا التقارب والانتباه إلى مخاطر هذه الخطوات السريعة. إذ يظل هناك عدد من القضايا الشائكة التي تنتظر التفاوض بشأنها، بما أنَّ الخصوم السياسيين القدامى والوكلاء المسلحين بالوكالة لا يتأقلمون بسهولة مع الوقائع الجديدة.

ينبغي لدول الخليج كذلك الحذر من الاستثمار بقوة في الأفراد عوض المؤسسات: فلطالما كان أفورقي إحدى أكثر الشخصيات تقلبا في المنطقة، وهو يواجه الآن سياسات متقلبة بشكل متزايد في بلاده. ودون عدو خارجي لمجابهته في إثيوبيا، قد تنزلق قبضته السلطوية التي استمرت لعقود في نهاية المطاف.

في عام 2018، تمكّن الرئيس الصومالي عبد الله محمد (“فارماجو”) من ضبط حمولة من الأموال الإماراتية في مدرج طائرات في مقديشو، واتهم الإمارات بالتدخّل في شؤون البلاد، وتراجع عن الانحياز لطرف في الشجار الخليجي.

في قلقها من اصطفاف فارماجو مع قطر وتركيا، انقلبت أبوظبي على الرئيس، وكثّفت دعم خصومه في الولايات الاتحادية الصومالية، وضاعفت رهاناتها على صفقات مع مسؤولين محليين في المناطق ذات الحكم الذاتي من إقليم أرض الصومال وأرض البُنط لإنشاء قاعدة عسكرية أخرى واثنين من المرافئ الجديدة. احتجّت مقديشو بسخط إثر إعلان الدول المنتفعة لدعمها الأطراف العربية، وبالتالي إشعال التوتر بين مركز البلاد وأطرافها.

على ضفاف البحر الأحمر، ثمة تنافس جديد بين القوى العظمى هو أكثر تعقيدا من مباراة شطرنج. فالقاعدةُ العسكرية الصينية في جيبوتي تجلب معها خمسا من القوى الأجنبية إلى الدولة الصغيرة. تتمركز الصين وفرنسا وإيطاليا واليابان والولايات المتحدة كافّة عند نقطة مركزية في البحر الأحمر. في حين سجلت الهند والسعودية اهتماما بتأسيس قواعد لهما في جيبوتي، حيث يقع مرفأ المياه العميقة الوحيد في المنطقة، أما روسيا فقد استهّلت محادثاتها مع إريتريا بشأن حضورها الاستراتيجي الخاص في البحر الأحمر.

إن اهتمامات الصين التوسعية في جيبوتي، بالإضافة إلى مرافقها البحرية الجديدة، تفاقم قلق الكابيتول هيل (الكونغرس) والبيت الأبيض، حيث تقوم إدارة ترمب التي تصب اهتمامها بشكل متزايد على صراع القوى العظمى بإعادة النظر في موقعها من أفريقيا. والحقيقة أن إيلاء واشنطن اهتماما أكبر لهذه المنطقة هو أمر جيد. لكن مهما كانت الاعتبارات الاستراتيجية حاسمة فلا ينبغي لسياسة الولايات المتحدة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر ككل أن تكون مدفوعة كليا بالتنافس مع بكين.

إن إدارة ضفتَيْ البحر الأحمر بشكل أفضل ستعود بالنفع على دول الخليج والقرن الأفريقي على حد سواء. سيكون بوسع الدول الأفريقية تحديدا أن تستفيد من الاستثمار وتساعد في تطوير البنية التحتية، وأن تخلق الوظائف، وتصل للأسواق العالمية ضمن مساعيها لتحديث الاقتصاد. حتى إن بعض الدبلوماسيين الإقليميين يُنادي بمنتدى خاص بالبحر الأحمر، وهو اجتماع سيكون من شأنه تأمين الممرات المائية للمنطقة، وتنظيم الهجرة، وتحقيق الأمن الغذائي، ومحاربة التطرف، وإدارة الصراع والنزوح.

ومع ذلك، فمن غير المرجح لهذا السيناريو الوردي للبحر الأحمر أن يتحقق قبل أن تنضج عدة إجراءات. فدول القرن الأفريقي بحاجة إلى تحقيق إصلاحات داخلية وتكامل إقليمي بحيث تجني ثمار المصالح المشتركة وتتفاوض مع الشركاء الخليجيين على الأرضية نفسها. إن خصوم الشرق الأوسط، وليس أيٌّ منهم قويا بما يكفي لتحقيق الهيمنة، بحاجة إلى إيجاد حل لأزمة الخليج العربي، أو على الأقل خفض التصعيد. في حين يتعين على الولايات المتحدة والصين تجنّب الصدام إثر التوترات الحالية وتحقيق نوع من التوازن في المنطقة. إن أيًّا من هذه الاحتمالات غير مؤكد بعد. ودون التقدم على أي جبهة، فإن منطقة البحر الأحمر متزايدة التسلّح والمكتظّة ستظل أرضا خطرة للمعارك.