كشفت التحركات الأخيرة المرتبطة بإعلان إقليم صوماليلاند الانفصالي نيته فتح سفارة في القدس المحتلة عن دور إماراتي مباشر في دفع هذا المسار سياسياً ومالياً، ضمن مشروع تقوده أبوظبي منذ سنوات لتوسيع التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي عبر استغلال الدول والكيانات الهشة والفقيرة.
وأثار إعلان صوماليلاند موجة غضب واسعة في الأوساط العربية والإسلامية، خاصة أن الخطوة تتعلق بمدينة القدس المحتلة، التي تجنبت حتى دول غربية كبرى نقل سفاراتها إليها رغم تحالفها الوثيق مع إسرائيل.
لكن ما جرى لا يُنظر إليه داخل الأوساط السياسية كجزء من استراتيجية إسرائيلية تقوم على كسر الرمزية السياسية والدينية للقدس تدريجياً، عبر استخدام أطراف ضعيفة ومعزولة لفرض وقائع جديدة على المنطقة.
وبحسب مصادر دبلوماسية مطلعة، فإن الإمارات كانت خلال السنوات الماضية أحد أبرز الداعمين لتحركات صوماليلاند الخارجية، عبر الدعم المالي والاقتصادي وفتح قنوات سياسية وأمنية مع سلطات الإقليم الانفصالي.
وأكدت المصادر أن أبوظبي لم تعلن رسمياً الاعتراف بصوماليلاند، لكنها نفذت اعترافاً عملياً صامتاً عبر إجراءات إدارية وقنصلية تتعامل مع الإقليم ككيان مستقل عن الدولة الصومالية.
وأوضحت أن منصات إماراتية رسمية خاصة بالتأشيرات والسفر بدأت منذ فترة بقبول جوازات ووثائق صادرة عن سلطات صوماليلاند، في وقت جرى فيه التضييق على حاملي الجوازات الصومالية الاتحادية المعترف بها دولياً.
ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات تمثل شكلاً من أشكال الاعتراف غير المعلن، حيث تستخدم أبوظبي الأدوات البيروقراطية والإدارية لمنح الإقليم الانفصالي امتيازات سيادية تدريجية دون تحمل كلفة الاعتراف السياسي المباشر.
كما اعتبروا أن الإمارات تتعمد استخدام هذا الأسلوب لتفكيك المواقف الدولية تجاه وحدة الصومال، عبر خلق واقع إداري واقتصادي جديد يجعل صوماليلاند كياناً مستقلاً بحكم الأمر الواقع.
وتتقاطع هذه التحركات مع المصالح الإسرائيلية في القرن الإفريقي، حيث تسعى تل أبيب منذ سنوات لاختراق المناطق المطلة على البحر الأحمر وباب المندب عبر تحالفات أمنية واقتصادية مع كيانات ودول هشة.
ويؤكد محللون أن إسرائيل تعتمد منذ سنوات سياسة تقوم على استهداف “الهوامش الضعيفة” في العالم العربي والإسلامي، أي الأطراف التي تبحث عن الشرعية أو المال أو الحماية، من أجل استخدامها في فرض اختراقات سياسية ورمزية كانت مستحيلة مع الدول الكبرى.
ولهذا السبب تحديداً، جرى اختيار صوماليلاند، وهو كيان غير معترف به دولياً ويبحث منذ سنوات عن أي دعم خارجي يمنحه شرعية سياسية أو اقتصادية.
وبحسب مراقبين، لعبت أبوظبي دور الوسيط والممول في هذا المسار، عبر استخدام الاستثمارات والموانئ والنفوذ الاقتصادي لإعادة تشكيل مواقف كيانات إفريقية تجاه إسرائيل.
وخلال السنوات الماضية، عززت الإمارات حضورها داخل موانئ ومناطق استراتيجية في القرن الإفريقي، خاصة داخل مناطق خاضعة لسيطرة سلطات صوماليلاند، في إطار توسع نفوذها الإقليمي بالتنسيق مع تل أبيب.
كما يعتبر مراقبون أن أبوظبي تحولت من مجرد دولة مطبعة مع الاحتلال إلى شريك فعلي في توسيع المشروع الإسرائيلي داخل المنطقة، عبر استخدام المال والنفوذ لإعادة هندسة التحالفات السياسية والإقليمية.
ويرى ناشطون أن أخطر ما في الخطوة الأخيرة بشأن افتتاح “سفارة” في القدس، يكمن في الرسالة السياسية التي تحملها، والمتمثلة في محاولة كسر ما تبقى من الرمزية العربية والإسلامية المرتبطة بالقضية الفلسطينية.
كما يعتبرون أن الإمارات تشارك عملياً في مشروع “الإذلال الرمزي” الذي تسعى إسرائيل إلى فرضه على المنطقة، عبر دفع كيانات هامشية وفقيرة لاتخاذ خطوات لم تجرؤ عليها دول عربية وإسلامية كبرى.
وفي الوقت الذي تواصل فيه أبوظبي الحديث رسمياً عن دعم القضية الفلسطينية، تؤكد التحركات على الأرض أنها تعمل بصورة متسارعة على تثبيت مسارات التطبيع وتوسيعها، حتى لو جاء ذلك على حساب القدس ووحدة دول عربية وإفريقية.
ويرى مراقبون أن سياسة الإمارات في الصومال تكشف نموذجاً أوسع من التدخلات التي تعتمد على دعم الانقسامات والكيانات المحلية مقابل النفوذ الاقتصادي والعسكري، بما يخدم مصالحها الإقليمية ومصالح الاحتلال الإسرائيلي.
كما يحذر دبلوماسيون من أن تحويل الاعترافات السياسية إلى إجراءات إدارية صامتة يفتح الباب أمام تفكيك تدريجي للدول الهشة، بعيداً عن أي رقابة أو مساءلة سياسية واضحة.
وفي ظل تصاعد الغضب الشعبي من هذه التحركات، تتزايد الاتهامات لأبوظبي بأنها أصبحت رأس حربة في تمرير المشاريع الإسرائيلية داخل المنطقة، مستغلة الأزمات الاقتصادية والانقسامات السياسية في الدول الفقيرة والهشة لفرض وقائع جديدة تخدم الاحتلال وتضعف الموقف العربي والإسلامي تجاه القدس وفلسطين.
