تواجه دولة الإمارات انتقادات متصاعدة بسبب تعميق تحالفها الأمني والعسكري مع إسرائيل، في مسار نقل أبوظبي من مرحلة التطبيع السياسي والاقتصادي إلى مستوى غير مسبوق من الارتباط الاستراتيجي بتل أبيب ووضعها في مواجهة محيطها الخليجي والعربي.
وكشفت التحولات الإقليمية الأخيرة أن القيادة الإماراتية اختارت تعزيز موقع إسرائيل كشريك أمني رئيسي بدلا من مراجعة مسار التطبيع، وسط تساؤلات متزايدة بشأن تداعيات هذا التوجه على مستقبل الخليج والقضية الفلسطينية ومكانة أبوظبي داخل المنظومة العربية.
ويرى محللون أن الإمارات أنهت فعليا سياسة “التحوط الاستراتيجي” التي اتبعتها لسنوات، والقائمة على بناء علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة والصين وروسيا وإيران، مقابل الانتقال إلى محور أمني أكثر وضوحا يعتمد على واشنطن وتل أبيب.
وأكدت الباحثة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية سينزيا بيانكو أن أبوظبي باتت تعتبر أن سياسة الانفتاح على طهران لم تحقق أهدافها، وأنها تتجه نحو ما تصفه بـ”الاستقلالية الاستراتيجية” عبر تحالفات أمنية أكثر صلابة.
وجاء هذا التحول بالتزامن مع تصريحات للمستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات أنور قرقاش، أقر فيها بأن الرهان على المصالح الاقتصادية مع إيران لم ينجح كما كان متوقعا، معتبرا أن النفوذ الإسرائيلي في الخليج مرشح لأن يصبح أكثر حضورا خلال المرحلة المقبلة.
لكن مراقبين يرون أن هذا المسار لا يمثل استقلالا استراتيجيا بقدر ما يعكس انتقال أبوظبي إلى الاعتماد المتزايد على القوة العسكرية والتكنولوجية الإسرائيلية، بما يجعل تل أبيب لاعبا مباشرا في معادلات أمن الخليج.
وقد تحولت العلاقات الإماراتية الإسرائيلية تدريجيا إلى تعاون أمني واستخباراتي وعسكري واسع، يشمل قطاعات التكنولوجيا الدفاعية وأنظمة المراقبة والأمن السيبراني.
وتشير تقديرات مراكز بحث إسرائيلية إلى وجود تقارب كبير بين رؤية أبوظبي وتل أبيب بشأن إدارة الملفات الإقليمية، من خلال تبني سياسات أكثر تدخلا خارج الحدود بدعوى مواجهة التهديدات.
ويثير هذا التوجه مخاوف من توسيع الدور الإماراتي المدعوم إسرائيليا في مناطق حساسة مثل البحر الأحمر والقرن الإفريقي واليمن، حيث تتهم أطراف إقليمية أبوظبي بالسعي لتعزيز نفوذها عبر شبكات سياسية وعسكرية واقتصادية.
وتبرز واحدة من أبرز نتائج التحالف الإماراتي الإسرائيلي في تصاعد الخلافات داخل البيت الخليجي، إذ تتباين حسابات أبوظبي مع دول خليجية أخرى تفضل خفض التصعيد واعتماد الدبلوماسية بدلا من الاصطفاف الأمني الكامل مع إسرائيل.
ويحذر خبراء من أن ارتباط الإمارات المتزايد بتل أبيب قد يضعها في موقع مختلف عن محيطها الخليجي والعربي، خصوصا مع استمرار الرفض الشعبي الواسع للتطبيع في ظل الحرب الإسرائيلية على غزة.
ويرى باحثون أن أبوظبي تراهن على بناء محور جديد تقوده الولايات المتحدة ويجمع إسرائيل والإمارات وشركاء آخرين يقوم على التكنولوجيا والأمن والاقتصاد، لكنه يبقى محاطا بإشكاليات سياسية كبيرة بسبب تجاهله جذور الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
في المقابل، دفعت هذه التحولات أطرافا إقليمية أخرى إلى البحث عن توازنات مضادة عبر تعزيز التعاون العسكري والسياسي فيما بينها، في مؤشر على احتمال دخول المنطقة مرحلة جديدة من صراع المحاور.
وتنظر إيران بدورها إلى التمدد الأمني الإسرائيلي قرب حدودها باعتباره تهديدا مباشرا، الأمر الذي يزيد المخاوف من أن يؤدي التحالف الإماراتي الإسرائيلي إلى رفع مستوى التوتر بدلا من تحقيق الاستقرار.
ويحذر مختصون في شؤون الخليج من أن الاعتماد على الحماية الخارجية لم ينجح تاريخيا في إنتاج منظومات أمنية مستقرة، معتبرين أن الحلول طويلة المدى تتطلب بناء ترتيبات إقليمية تقلل احتمالات المواجهة بدلا من استيراد الصراعات.
وتبقى القضية الفلسطينية أبرز المتضررين من المسار الإماراتي الجديد، بعدما كانت أبوظبي تروج عند توقيع اتفاق التطبيع مع إسرائيل أن علاقتها بتل أبيب ستمنحها قدرة أكبر على التأثير وحماية الحقوق الفلسطينية.
لكن حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة أظهرت محدودية هذا الرهان، بعدما استمر التحالف الإماراتي الإسرائيلي رغم سقوط عشرات آلاف الضحايا الفلسطينيين وتصاعد الاتهامات الدولية لإسرائيل بارتكاب انتهاكات واسعة.
ويرى مراقبون أن الدور الإماراتي المتوقع في ترتيبات ما بعد الحرب سيتركز بصورة أكبر على هندسة واقع سياسي وأمني جديد يتوافق مع مصالح محور التطبيع، وليس بالضرورة مع تطلعات الفلسطينيين لإنهاء الاحتلال وإقامة دولتهم المستقلة.
وقد اختارت الإمارات مسارا محفوفا بالمخاطر عبر ربط جزء أساسي من أمنها بإسرائيل، وهو أمر قد يمنحها مكاسب تقنية وعسكرية قصيرة المدى، لكنه يضعها أمام تحديات استراتيجية طويلة الأمد.
وبين تصاعد التوتر مع إيران، واتساع الفجوة مع الشارع العربي، وتزايد الاعتماد على تل أبيب، تدخل الإمارات مرحلة جديدة قد تعيد رسم موقعها في المنطقة، وسط تساؤلات بشأن الثمن السياسي الذي ستدفعه نتيجة تحويل إسرائيل من دولة احتلال مرفوضة عربيا إلى شريك أمني مركزي في الخليج.
