خيم التضليل والكذب بالأرقام على الخطاب الرسمي الإماراتي حول ما يُسمّى “الإنجاز التاريخي” في الصادرات غير النفطية، بعدما أعلنت أبوظبي أرقامًا ضخمة تُقدَّم للرأي العام بوصفها دليلًا على نجاح نموذج اقتصادي متنوّع، بينما تخفي في جوهرها حقائق صادمة عن طبيعة هذه الصادرات ومصادرها المشبوهة.
فقد أعلن رئيس مجلس الوزراء الإماراتي حاكم دبي محمد بن راشد آل مكتوم أن تجارة الإمارات العربية المتحدة الخارجية غير النفطية تجاوزت لأول مرة حاجز تريليون دولار (3.8 تريليون درهم)، بزيادة 26% عن العام السابق، وأن الصادرات غير النفطية وحدها تخطّت 813 مليار درهم، محققة – حسب وصفه – نموًا “استثنائيًا” بنسبة 45%.
غير أن هذا الإعلان، الذي جرى تسويقه داخليًا وخارجيًا باعتباره انتصارًا اقتصاديًا، يقوم على تضليل متعمّد عبر إخفاء التركيبة الحقيقية لهذه الصادرات، التي تعتمد بشكل رئيسي على تجارة الذهب، ثم السجائر، لا على صناعات إنتاجية أو تكنولوجية تعكس تنويعًا حقيقيًا للاقتصاد.
وتشير تقارير دولية موثوقة إلى أن الذهب يشكّل النسبة الأكبر من الصادرات غير النفطية الإماراتية. ومع الارتفاع العالمي في أسعار الذهب خلال العام الأخير، تضخّمت قيمة الصادرات تلقائيًا، ما سمح لأبوظبي بتسويق قفزات رقمية لا تعكس جهدًا اقتصاديًا فعليًا بقدر ما تعكس استغلالًا للظرف العالمي.
الأخطر من ذلك هو مصدر هذا الذهب. فقد كشفت منظمة التنمية السويسرية غير الحكومية سويس إيد في تقرير مفصّل أن ما بين 321 و474 طنًا من الذهب الإفريقي المستخرج عبر التعدين الحرفي أو الضيّق لا يتم التصريح عنه سنويًا، بقيمة تتراوح بين 24 و35 مليار دولار.
ووفق التقرير، يتجه معظم هذا الذهب المهرّب إلى دبي، قبل إعادة تصديره لاحقًا إلى دول أخرى بغطاء قانوني.
وتقدّر المنظمة أن عام 2022 شهد استيراد الإمارات نحو 405 أطنان من الذهب الإفريقي المهرّب، أي ما يعادل 66.5% من إجمالي الذهب الذي دخل الإمارات من إفريقيا في ذلك العام. هذه النسبة وحدها كافية لنسف الرواية الرسمية التي تتحدث عن “صادرات نظيفة” أو “نمو صحي”.
وقد شهدت إفريقيا، التي تُعد المنتج الرئيسي للذهب عالميًا، تصدّر دول مثل غانا وجنوب إفريقيا ومالي وبوركينا فاسو الإنتاج في عام 2022. لكن تقرير “سويس إيد” يوضح أن الذهب في هذه الدول ليس مجرد مورد اقتصادي، بل تحوّل إلى وقود للنزاعات.
فهذا المعدن الثمين، بحسب التقرير، يُستخدم كمصدر دخل للجماعات المسلحة، ويساهم في تمويل الحروب الأهلية، ويقترن بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، فضلًا عن التدهور البيئي الحاد.
وتشير المنظمة إلى أن تهريب الذهب الإفريقي تضاعف بين عامي 2012 و2022، في ظل شبكات تهريب عابرة للحدود، تلعب دبي دور المركز المحوري فيها.
ويصل الذهب إلى الإمارة، وفق التقرير، بالطائرة “في حقائب يد أو حقائب سفر”، سواء عبر رحلات جوية مجدولة أو طائرات خاصة، قبل أن يدخل منظومة المصافي والأسواق الرسمية، ليُعاد تصديره لاحقًا كذهب “نظيف” على الورق.
وإلى جانب الذهب، تبرز السجائر كأحد المكونات الرئيسية للصادرات غير النفطية الإماراتية. ورغم أن هذا القطاع لا يحظى بالضوء الإعلامي نفسه، إلا أنه يُعد من أكثر القطاعات ارتباطًا عالميًا بالتهريب وغسل الأموال، إضافة إلى كونه سلعة ضارّة بالصحة العامة.
ويفضح إدراج السجائر ضمن “إنجازات” الصادرات غير النفطية سطحية الخطاب الإماراتي حول التنمية، ويؤكد أن ما يجري هو تضخيم لأرقام تجارية قائمة على إعادة التصدير، لا على بناء اقتصاد إنتاجي مستدام.
ويؤكد مراقبون أن تقديم تجارة الذهب والسجائر بوصفها دليلًا على نجاح اقتصادي هو خداع بالأرقام قبل أن يكون إنجازًا حقيقيًا، فلا هذه الصادرات تخلق قيمة مضافة داخل الاقتصاد الإماراتي، ولا تسهم في نقل المعرفة أو توطين الصناعة، ولا تعكس تنويعًا حقيقيًا بعيدًا عن الريع.
وعليه، فإن تجاوز حاجز التريليون دولار في التجارة غير النفطية ليس سوى إنجاز ورقي، يقوم في جوهره على ذهب النزاعات الإفريقية وسلع مثيرة للجدل، ويكشف أن ما تروّج له الإمارات باعتباره نجاحًا اقتصاديًا ليس سوى إعادة تدوير للموارد المنهوبة تحت غطاء أرقام براقة وخطاب إعلامي مضلِّل.
