قالت مصادر مطلعة إن السلطات الإماراتية شرعت في جمع المعطيات ودراسة مختلف السيناريوهات المحتملة، عقب ورود وثائق تتعلق بعلاقة سلطان أحمد بن سليم، رئيس مجلس إدارة موانئ دبي العالمية، بالمموّل الأمريكي جيفري إبستين، المدان بجرائم اعتداء جنسي واستغلال قاصرات، وذلك تحسّبًا لما قد يترتب على هذه التسريبات من تداعيات سياسية واقتصادية تمس صورة الإمارات ومصالحها الاستراتيجية.
وبحسب موقع (الإمارات71) المعارض، فقد استدعت حكومة دبي عددًا من كبار مديري موانئ دبي العالمية، في اجتماعات وُصفت بالحساسة، لبحث الانعكاسات المحتملة لنشر هذه الوثائق على سمعة الشركة وانتشارها العالمي، إضافة إلى مناقشة سيناريوهات قيادية بديلة، بما في ذلك دراسة أسماء وشخصيات يمكن أن تتولى قيادة الشركة في حال فرضت التطورات إبعاد بن سليم أو تقليص دوره.
وتشير المعلومات إلى أن حالة من القلق تسود الأوساط الرسمية والاقتصادية في دبي، في ظل حساسية المرحلة وما قد يرافقها من تدقيق دولي متزايد في علاقات شخصيات نافذة بشبكات المال والنفوذ العابرة للحدود.
وتخشى دوائر القرار من أن تتحول القضية إلى ضغط إضافي على ملف الحوكمة والشفافية في الإمارة، التي تسوّق نفسها منذ سنوات بوصفها مركزًا عالميًا آمنًا للأعمال والاستثمار.
وبرزت هذه المخاوف عقب إعلان وزارة العدل الأمريكية، يوم الجمعة، نشر دفعة جديدة ونهائية تضم ملايين الوثائق المرتبطة بجيفري إبستين، وذلك بموجب قانون أُقرّ في نوفمبر الماضي يقضي بالإفراج عن جميع السجلات المتعلقة برجل الأعمال الراحل.
وتضمّنت الدفعة مراسلات وصورًا ووثائق كشفت عن شبكة علاقات معقدة ربطت إبستين بشخصيات سياسية واقتصادية حول العالم.
وكشفت مراسلات واردة ضمن الوثائق المنشورة عن دور لإبستين في نسج قنوات تواصل غير معلنة بين إسرائيل والإمارات، قبل سنوات من الإعلان الرسمي عن اتفاقيات أبراهام عام 2020، التي دشّنت مرحلة العلاقات العلنية بين الطرفين.
ووفق هذه الوثائق، لم يكن إبستين مجرد وسيط مالي، بل لعب دورًا سياسيًا غير رسمي في ترتيب لقاءات حساسة.
وبحسب تقرير نشره موقع Drop Site News، تولّى إبستين تنسيق لقاءات سرّية جمعت رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك بالملياردير الإماراتي سلطان أحمد بن سليم، في إطار مساعٍ لتعاون اقتصادي واستثماري، في فترة كانت العلاقات الرسمية بين الإمارات وإسرائيل لا تزال غير قائمة.
وتُظهر الرسائل الإلكترونية المسرّبة عمق العلاقة التي ربطت إبستين ببن سليم، إذ وصفه الأخير في إحدى المراسلات بأنه “اليد اليمنى لمكتوم”، في إشارة إلى محمد بن راشد آل مكتوم، حاكم دبي ونائب رئيس دولة الإمارات.
ويرى متابعون أن هذا الوصف يعكس حجم النفوذ الذي يتمتع به بن سليم داخل دوائر صنع القرار في الإمارة، ويضاعف من حساسية أي ارتباطات خارجية مثيرة للجدل.
وفي عام 2013، اقترح إبستين ترتيب لقاء مباشر بين باراك وبن سليم، كما عمل على تسهيل استثمار إماراتي محتمل في سلسلة لوجستية إسرائيلية، في وقت كان فيه باراك قد غادر الحكومة الإسرائيلية بعد شغله منصبي وزير الدفاع ونائب رئيس الوزراء حتى مارس من العام نفسه.
وتُظهر هذه الوقائع، وفق مراقبين، أن قنوات التطبيع الاقتصادي والأمني سبقت الإعلان السياسي بسنوات.
وتضمّنت الوثائق المتداولة صورًا تُظهر سلطان أحمد بن سليم برفقة إبستين وعدد من الأشخاص في مكان يبدو أقرب إلى قاعة أكاديمية أو صف تعليمي، إلى جانب صورة أخرى يظهر فيها وهو يُعدّ الطعام لإبستين شخصيًا.
كما ظهرت صورة ثالثة خلال جلسة على متن أحد القوارب، يُعتقد أنها التُقطت في دبي، حيث يرتدي بن سليم الزي الإماراتي التقليدي.
وفي إحدى الصور المثيرة للاهتمام، يظهر بن سليم في سنّ أصغر مقارنة بالصور الأخرى، وبرفقته مجموعة من الأطفال، دون أي توضيح للسياق أو طبيعة المناسبة.
ويرى متابعون للملفات المنشورة أن تتابع الصور واختلاف توقيتها الزمني قد يشير إلى أن العلاقة بين الطرفين تعود إلى سنوات طويلة، وتتجاوز إطار التعارف أو التواصل العابر، في ظل غياب أي رواية رسمية تشرح طبيعة هذه العلاقة أو خلفياتها.
وتُعد موانئ دبي العالمية من أكبر شركات إدارة وتشغيل الموانئ والمناطق الحرة في العالم، إذ تدير شبكة تضم أكثر من 78 ميناءً ومحطة بحرية في أكثر من 40 دولة، تمتد من الشرق الأوسط وأفريقيا إلى أوروبا وآسيا والأمريكيتين.
وتُقدَّر القيمة الإجمالية لأصولها بنحو 100 مليار دولار، ما يجعلها لاعبًا محوريًا في التجارة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية، وعنصرًا أساسيًا في الاقتصاد الإماراتي.
ويحذّر مراقبون من أن أي اهتزاز في قيادة الشركة أو سمعتها الدولية قد ينعكس مباشرة على مكانة دبي الاقتصادية، في وقت تتكثف فيه الضغوط الخارجية على الإمارات بشأن ملفات الشفافية والعلاقات السياسية غير المعلنة.
وفي ظل صمت رسمي إماراتي حتى الآن، تتجه الأنظار إلى كيفية تعامل أبوظبي ودبي مع هذه التسريبات، وما إذا كانت ستفتح الباب لمساءلة حقيقية، أم ستُدار الأزمة بأسلوب الاحتواء المعتاد.
