قالت مجلة “نيوزويك” الأمريكية إن دولة الإمارات ليست فقط الشريك العربي الأهم لإسرائيل، بل واحدة من أقرب شركاء تل أبيب في العالم، مشيرة إلى أن العلاقات بين الجانبين تضاعفت أهميتها عقب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
وأبرزت المجلة أن الإمارات لم تكتف بالاتصالات السياسية والتطبيع العلني مع إسرائيل، بل عززت أيضاً التعاون الدفاعي مع تل أبيب واستضافت قوات إسرائيلية وحصلت على منظومة القبة الحديدية خلال الحرب على إيران.
وأشارت إلى أنه مع ازدياد انخراط السعودية والإمارات في الحرب التي ضد إيران، فقد بدأت هذه الحرب تُحدث تصدعات داخل مجلس التعاون الخليجي، وتسرّع تحولاً في خطوط التوازنات الجيوسياسية في المنطقة.
وبحسب المجلة فإنه رغم استمرار التزام الرياض وأبوظبي بشراكتهما التقليدية، فإن علاقات الإمارات المتنامية مع إسرائيل أصبحت مصدراً متزايداً للتوتر.
وقد زادت إسرائيل من حدة الجدل بعدما أكدت زيارة حديثة قام بها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى الإمارات للقاء الرئيس الإماراتي محمد بن زايد، بينما نفت الإمارات حدوث الزيارة، ما أثار مزيداً من التساؤلات بشأن طبيعة الشراكة المتنامية بين البلدين اللذين أقاما علاقات رسمية عام 2020 ضمن اتفاقات أبراهام المدعومة من إدارة الرئيس دونالد ترامب الأولى.
كما أصبحت الإمارات محور تقارير تتهمها بدعم جهات غير حكومية عبر الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خصوصاً في ليبيا والسودان واليمن، حيث دعمت السعودية في وقت سابق من هذا العام عملية لتفكيك حركة انفصالية جنوبية قوية مرتبطة بأبوظبي، في أحد أبرز تجليات الخلاف بين البلدين.
ولا يقتصر تأثير ذلك على السعودية والإمارات وإسرائيل فقط، بل بدأ يأخذ أبعاداً أوسع تشمل فاعلين كباراً آخرين مثل مصر وتركيا، ويمتد حتى جنوب آسيا، حيث تمتلك الهند وباكستان أيضاً مصالح مرتبطة بالمشهد.
ووصف نواف عبيد، الزميل البارز في قسم دراسات الحرب بكلية كينغز في لندن والمستشار السابق للديوان الملكي السعودي، التحول في العلاقة السعودية-الإماراتية باستخدام نظرية أصبحت محط اهتمام مؤخراً بعد استخدام الرئيس الصيني شي جين بينغ لها خلال لقائه ترامب في بكين الأسبوع الماضي كتحذير للعلاقات الأميركية-الصينية.
وقال عبيد لنيوزويك: “الأمر بات يشبه بصورة متزايدة نسخة إقليمية من فخ ثيوسيديدس: قوة صاعدة تحاول توسيع نفوذها في مواجهة قوة مهيمنة راسخة”.
ومنذ تأسيس السعودية بعد توحيد أراضي شبه الجزيرة العربية تحت حكم آل سعود عام 1932، احتلت السعودية موقعاً فريداً في العالمين العربي والإسلامي، خصوصاً بسبب إشرافها على أقدس مدينتين في الإسلام، مكة والمدينة. كما ساعد اكتشاف احتياطيات نفطية هائلة والشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة في ترسيخ مكانة المملكة كقوة إقليمية محورية.
أما الإمارات فقد ظهرت لاحقاً، بعد استقلالها عن المملكة المتحدة عام 1971. ورغم صغر حجمها وعدد سكانها مقارنة بالسعودية، فإن التحديث السريع والتنمية منحتها نفوذاً إقليمياً مهماً، إضافة إلى امتلاكها ثاني أكبر اقتصاد بعد السعودية.
لكن عبيد رأى أن الرياض لا تزال في موقع قوي للاحتفاظ بمكانتها القيادية.
وقال: “المشكلة أن السعودية ليست فقط الدولة المهيمنة داخل مجلس التعاون؛ إنها القوة العربية المركزية. الحجم مهم — الجغرافيا، السكان، الطاقة، العمق المالي، القدرة العسكرية، والشرعية الدينية. هذه حقائق بنيوية لا يمكن لدولة صغيرة مثل الإمارات أن تكررها”.
وأضاف: “السعودية تظل مركز الثقل للخليج العربي والمنظومة العربية الأوسع. أوبك مُشكَّلة على المقاس السعودي، ومجلس التعاون ما زال يتمحور حول الرياض، والوقائع الاستراتيجية الإقليمية لا تزال تنجذب نحو السعودية. المناورات الموازية قد تخلق احتكاكات، لكنها لا تصنع مركز قوة إقليمياً بديلاً”.
وقال إن هذا ينطبق أيضاً على علاقة الإمارات بإسرائيل، مضيفا أنه “من وجهة نظر الرياض، المسألة ليست ما إذا كانت الإمارات تحتفظ بعلاقات مع إسرائيل. الدول ذات السيادة تتخذ خياراتها السيادية. السؤال هو: هل تستطيع التحالفات البديلة أن تغيّر توازن القوى في الخليج جذرياً؟ الجواب: لا”.
لكنه حذر في الوقت نفسه من أن “الخطر الأكبر ليس تحول ميزان القوى، بل سوء الحسابات الاستراتيجية”.
ورغم أن الشراكة الإماراتية-الإسرائيلية سبقت الحرب، وكذلك التنافس الإماراتي-السعودي، فإن الصراع الحالي يبدو أنه أعطى دفعة إضافية لهذا التحول الاستراتيجي.
فالإمارات كانت الدولة الأكثر تعرضاً لهجمات إيرانية، بعدما أطلقت طهران آلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة على إسرائيل ودول الخليج التي تستضيف قواعد أميركية منذ اندلاع الحرب في أواخر فبراير/شباط.
ورغم أن وقف إطلاق النار الذي أعلنه ترامب في 7 أبريل/نيسان حال دون عودة المواجهات الواسعة، فإن الضربات المحدودة استمرت، بما في ذلك هجوم بطائرة مسيرة مجهولة استهدف الأحد محطة “براكة” النووية الإماراتية.
وفي الوقت نفسه، أدى الدمار الذي طال منشآت النفط والغاز وتعطيل الملاحة عبر مضيق هرمز إلى إحداث اضطرابات عميقة في أسواق الطاقة العالمية واقتصادات الخليج.
كما ظهرت تداعيات جيوسياسية في قطاع الطاقة. فقد أعلنت الإمارات أواخر الشهر الماضي انسحابها من تحالف “أوبك+”، الذي هيمن لسنوات على سوق النفط العالمية من خلال حصص الإنتاج الجماعية، بينما لعبت السعودية دور القائد غير الرسمي له.
وزعم محمد بحرون، المدير العام لمركز دبي لبحوث السياسات العامة، أن القرار الإماراتي بشأن أوبك نابع من تخطيط طويل المدى وليس مجرد رد فعل على الحرب الحالية.
كما قلل بحرون من حجم الخلافات مع الرياض وتأثيرها المحتمل على أمن مجلس التعاون، مشيراً إلى أن الإمارات لا تزال تنضم لبقية دول المجلس في الدعوة إلى خفض التصعيد مع إيران.
أما بشأن العلاقة مع إسرائيل، فقال إنها واحدة من بين عدة علاقات تعمل الإمارات على تنويعها، وإن إسرائيل “ربما ليست شريكاً أمنياً مهماً بقدر تركيا أو حتى كوريا الجنوبية عندما يتعلق الأمر بالمجمع الصناعي”.
وأضاف: “القيمة الصافية للشراكة ليست مرتفعة جداً أيضاً. الإمارات قدمت في هذه العلاقة أكثر بكثير مما قدمته إسرائيل. ومع ذلك، فإن الإمارات لا تنظر إلى اتفاقات أبراهام كتطبيع ثنائي، بل كنهج إقليمي لتقليل صراعات الهوية في المنطقة. هذا المشروع يتعرض للتحدي من إيران وإسرائيل معاً، لكن ذلك قد لا يوقفه”.
ورغم ذلك، ما زالت إسرائيل تمنح هذه العلاقة أهمية كبيرة. وقال يوئيل غوزانسكي، الباحث البارز ورئيس برنامج أبحاث الخليج في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، والذي سبق أن عمل في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي ومستشاراً لعدة رؤساء وزراء، إن الإمارات ليست فقط الشريك العربي الأهم لإسرائيل، بل واحدة من أقرب شركائها في العالم.
وأضاف لنيوزويك: “يجب التمييز بين التطبيع العلني والعلاقات الهادئة غير المعلنة التي لدينا مع دول كثيرة، لكن الإمارات حالة استثنائية”.
وتابع: “لقد كانت العلاقة الأعمق قبل الحرب، وأصبحت أكثر أهمية منذ اندلاعها”.
ورغم الجدل المحيط بإسرائيل بسبب الغضب الشعبي العربي من مشاهد الدمار في غزة ولبنان، فإن الإمارات لم تكتف بالاتصالات السياسية، بل عززت أيضاً التعاون الدفاعي. وتشير تقارير إلى أن الإمارات استضافت قوات إسرائيلية وحصلت على منظومة القبة الحديدية خلال الحرب.
وقال غوزانسكي: “لم تقتصر الزيارات على رئيس الوزراء. فقد كُشف في إسرائيل أن رئيس الموساد ورئيس الشاباك ورئيس الأركان، تقريباً كامل القيادة الإسرائيلية، زاروا الإمارات أثناء الحرب”.
وأضاف: “يبدو أن الأمر كان دفاعياً، رغم أن البعض اقترح أنه كان أيضاً هجومياً، بمعنى أن البلدين لم يساعدا الإمارات على الدفاع عن نفسها فقط، بل ربما فعلا شيئاً آخر تجاه إيران”.
وتابع: “إيران هاجمت إسرائيل والإمارات، وإسرائيل والإمارات هاجمتا إيران أيضاً، إما بشكل منفصل أو بتنسيق بينهما”.
كما أقر غوزانسكي بأن هذه الشراكة تثير حساسية في السعودية، التي تسعى إسرائيل منذ سنوات إلى تطبيع العلاقات معها باعتبارها بوابة للعالمين العربي والإسلامي.
وكانت الرياض قد دخلت سابقاً في محادثات حول اتفاق مدعوم أميركياً مع إسرائيل، لكن المفاوضات تعثرت إلى حد كبير بعد حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة والتي أدخلت المنطقة في مرحلة مستمرة من الصراع والاضطراب.
ومنذ ذلك الحين، وسعت السعودية اتصالاتها مع دول أخرى، خاصة مصر وتركيا وباكستان، الدولة الإسلامية الوحيدة المالكة للسلاح النووي، والتي وقعت معها الرياض اتفاقاً دفاعياً في سبتمبر/أيلول الماضي.
وقد برز ما يسمى بـ”الرباعية” ككتلة جيوسياسية محتملة في منطقة شهد فيها النفوذ الإيراني، الذي تقوده “محور المقاومة”، تراجعاً كبيراً بفعل الضربات الأميركية والإسرائيلية.
وفي المقابل، فإن إسرائيل والإمارات ليستا وحدهما أيضاً. فالهند كثفت استثماراتها في علاقاتها مع البلدين إلى جانب الولايات المتحدة ضمن إطار I2U2.
ورأى غوزانسكي أن هذه التحالفات “مرنة ومرحلية وغير قابلة للاستمرار على المدى الطويل”، لكنه اعتبر أنه من الطبيعي أن تحاول دول مختلفة استغلال أي فراغ يخلّفه تراجع النفوذ الإيراني.
وقال: “الحرب أحدثت تغييرات. الشرق الأوسط لعبة صفرية. إذا ضعفت إيران، سترى الدول أن إسرائيل أصبحت أقوى، أو حتى تركيا، وبالتالي ستعمل على موازنة ذلك. هذه أبجديات العلوم السياسية”.
لكن هذا التحول يحمل أيضاً مخاطر. فإيران، رغم إنهاكها، لا تزال قوة قادرة على تنفيذ تهديداتها ضد الدول المرتبطة بأعدائها.
وقال ف. غريغوري غاوس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة تكساس إيه آند إم، إن العلاقة الوثيقة للغاية بين الإمارات وإسرائيل كانت “عاملاً رئيسياً” في قرار طهران توجيه هذا الكم من النيران نحو جارتها الخليجية.
وأشار أيضاً إلى أن صورة إسرائيل في المنطقة تضررت ليس فقط بسبب الغضب الشعبي من مشاهد القتل والدمار في غزة ولبنان، بل أيضاً بسبب قرار نتنياهو غير المسبوق استهداف اجتماع مزعوم لقيادة حركة حماس في العاصمة القطرية الدوحة في سبتمبر/أيلول.
لكنه أضاف: “لكن العلاقات مع إسرائيل ما زالت غير شعبية في العالم العربي، خصوصاً بعد الهجوم الإسرائيلي على غزة والاحتلال الجديد لأراضٍ في جنوب لبنان”.
وتابع: “حتى في الخليج، الناس يتذكرون أن إسرائيل قصفت الدوحة قبل وقت غير بعيد”.
ورأى أنه حتى الإمارات، التي لا تواجه ضغوط رأي عام كبيرة بسبب أن المواطنين يشكلون نحو 10% فقط من السكان، “لا تريد التباهي كثيراً بعلاقاتها مع نتنياهو”.
أما بالنسبة للسعودية، التي لا تزال تتمتع بثقل إقليمي ودولي كبير، فتوقع غاوس أن تتصرف الإمارات بحذر، خصوصاً لتجنب تكرار أزمة قطر عام 2017 عندما قادت السعودية، بمشاركة الإمارات ومصر والبحرين، مقاطعة ضد الدوحة.
ولذلك، ورغم أن “التباعد الإماراتي عن السعودية مهم بالفعل”، فإنه لا يرى مؤشرات على أن الرياض تسعى لإضعاف الحكم في الإمارات.
وختم قائلاً: “هناك اختلاف واضح بين الدولتين بشأن إسرائيل. الإمارات تضاعف استثمارها في العلاقة مع إسرائيل نتيجة الحرب. أما السعوديون فيرون أن الإسرائيليين باتوا عامل اضطراب إقليمي، ربما ليس بمستوى إيران، لكن بطريقة تثير قلق السعودية في لبنان وسوريا وقصف قطر عام 2025 وتشجيع الولايات المتحدة على دخول الحرب الحالية”.
