موقع إخباري يهتم بفضائح و انتهاكات دولة الامارات

أحكام مؤبدة وقمع بلا سقف.. الإمارات تحول القضاء لأداة انتقام سياسي ضد المعارضين

447

تواصل السلطات الإماراتية تصعيد حملتها ضد معتقلي الرأي والمعارضين السياسيين عبر إعادة تدوير القضايا وتمديد الاحتجاز وإصدار أحكام مؤبدة جديدة بحق ناشطين وأكاديميين ومحامين سبق أن أمضى الكثير منهم سنوات طويلة داخل السجون بهدف إسكات أي صوت مستقل أو مطالب بالإصلاح.

وفي أحدث حلقات هذا التصعيد، أصدرت محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية أحكاماً قاسية ضمن ما يعرف بقضية “الإمارات 84”، تراوحت بين السجن عشر سنوات والمؤبد بحق 43 متهماً، مقابل حكم براءة واحد فقط، في قضية أعادت إلى الواجهة ملف معتقلي “الإمارات 94” الذين اعتقلوا منذ عام 2012 بسبب مطالبات سياسية سلمية تتعلق بالإصلاح وتوسيع الحريات العامة.

ويرى حقوقيون أن هذه الأحكام تؤكد أن الإمارات لم تعد تكتفي باعتقال المعارضين، بل انتقلت إلى مرحلة “الاحتجاز المفتوح” عبر إعادة محاكمة المعتقلين بعد انتهاء محكومياتهم أو قرب الإفراج عنهم، باستخدام التهم ذاتها تقريباً وبصياغات قانونية فضفاضة تسمح بإدامة السجن السياسي إلى أجل غير محدد.

ووصف وكيل النيابة الإماراتي السابق محمد بن صقر الزعابي القضية بأنها “سياسية بامتياز ولا علاقة لها بالقانون”، مؤكداً أن المتهمين “حوكموا سابقاً على الأفعال نفسها وقضوا سنوات طويلة في السجون، بل أمضى بعضهم فترات إضافية بعد انتهاء أحكامهم”.

ووقال الزعابي وفق ما نقل عنه مركز مناصرة معتقلي الإمارات، إن ما يجري في الإمارات “محاولة لإضفاء غطاء قانوني على انتهاكات تمارسها السلطة بحق معتقلي الرأي”.

وتكشف هذه التصريحات حجم الأزمة التي يعيشها القضاء الإماراتي، والذي أداة تستخدمها السلطة لتصفية الأصوات المعارضة وإخضاع المجتمع عبر الخوف والترهيب، بدلاً من حماية الحقوق والحريات أو ضمان العدالة.

ويؤكد الزعابي أن أخطر ما في القضية يتعلق بمنهجية “إعادة تدوير المعتقلين” نفسها، حيث يتم إبقاء السجناء السياسيين داخل المعتقلات عبر فتح قضايا جديدة فور انتهاء محكومياتهم، في التفاف واضح على أبسط مبادئ العدالة وسيادة القانون.

ووصف الزعابي هذه السياسة بأنها “التفاف قانوني لإدامة الاعتقال”، مضيفاً أن القانون في الإمارات “أصبح لعبة بيد النظام”، وأن السلطات تستخدم القضاء كواجهة شكلية لإخفاء الطبيعة السياسية للقرارات الأمنية.

وتبرز “مراكز المناصحة” كإحدى أكثر الأدوات إثارة للجدل في هذا السياق، إذ تستخدمها السلطات الإماراتية لإبقاء معتقلين داخل السجون حتى بعد انتهاء أحكامهم الرسمية، تحت ذريعة “التأهيل الفكري” أو “الخطورة المحتملة”.

إلا أن حقوقيين يرون أن هذه المراكز ليست سوى صيغة مقنّعة للاعتقال الإداري المفتوح، تسمح للنظام بإبقاء خصومه خلف القضبان لسنوات دون محاكمات حقيقية أو سقف زمني واضح.

وقال الزعابي إن هذه المراكز “شكل ابتدعه النظام الإماراتي للاستفادة من تجربة الاعتقال الإداري”، موضحاً أنها تستخدم ضد الأشخاص الذين لا ترغب السلطات بالإفراج عنهم حتى بعد انتهاء محكومياتهم القانونية.

ويحذر ناشطون من أن الإمارات باتت تقدم نموذجاً خطيراً في المنطقة يقوم على تحويل القضاء إلى أداة أمنية، وإلغاء الفاصل بين القرار القضائي والقرار السياسي، بما يجعل أي مطالبة بالإصلاح أو أي تعبير مستقل عن الرأي مهدداً بالسجن الطويل وربما المؤبد.

وتضم قائمة المعتقلين شخصيات أكاديمية وحقوقية بارزة، من بينها الدكتور سلطان بن كايد القاسمي، والناشط الحقوقي أحمد منصور، والأكاديمي الدكتور ناصر بن غيث، إلى جانب عشرات المحامين والأكاديميين الذين ارتبطت قضاياهم بحرية التعبير والدعوة إلى الإصلاح السياسي.

ولا تتوقف الانتهاكات عند حدود السجون، إذ تؤكد تقارير حقوقية أن عائلات المعتقلين تتعرض بدورها لعقوبات وضغوط مستمرة تشمل سحب الجنسيات والمنع من السفر والحرمان من العمل والعلاج والتعليم، إضافة إلى تعطيل الوثائق الرسمية وإخضاع الأسر لمراجعات أمنية متكررة.

كما أشار الزعابي إلى أن بعض المقيمين داخل الإمارات يتعرضون للابتزاز عبر التهديد بمعاقبة أسرهم أو مصادرة مصالحهم إذا تحدثوا عن الانتهاكات التي تعرضوا لها، ما يعكس حجم القبضة الأمنية التي تفرضها السلطات على المجتمع.

ويبرز مراقبون أن الإمارات، التي تحاول تسويق نفسها دولياً كواحة انفتاح وتسامح، تواجه اليوم اتهامات متزايدة باستخدام القمع الممنهج لإسكات أي صوت معارض، في تناقض صارخ بين صورتها الإعلامية والواقع الحقوقي داخل البلاد.

كما تتصاعد الانتقادات الدولية للسلطات الإماراتية بسبب تجاهلها المتكرر لتوصيات المنظمات الحقوقية والآليات الأممية، وسط اتهامات بأن أبوظبي باتت تتعامل مع الإدانات الدولية باعتبارها مجرد ضغوط إعلامية يمكن احتواؤها عبر النفوذ السياسي والعلاقات الاقتصادية.

ومع مرور أكثر من عقد على حملة الاعتقالات الواسعة التي بدأت عام 2012، تبدو قضية “الإمارات 84” دليلاً إضافياً على أن أبوظبي لا تنوي إغلاق ملف المعتقلين السياسيين، بل تتجه نحو ترسيخ واقع يقوم على السجن المفتوح والقمع الدائم، في سياسة يعتبرها حقوقيون واحدة من أخطر نماذج توظيف القضاء لخدمة الاستبداد في المنطقة العربية.