موقع إخباري يهتم بفضائح و انتهاكات دولة الامارات

تجسس عابر للحدود.. سجل الإمارات في مراقبة المعارضين يعود إلى الواجهة

794

عاد ملف التجسس الإلكتروني والمراقبة الرقمية المرتبط بالإمارات إلى الواجهة، بعد إعلان الأكاديمي الإماراتي المعارض يوسف خليفة اليوسف تلقيه تحذيراً جديداً من شركة «آبل» يفيد برصد هجوم إلكتروني متقدم استهدف هاتفه.

وأعادت الواقعة تسليط الضوء على سجل طويل من الاتهامات والتقارير الحقوقية والتحقيقات الدولية التي تحدثت عن استخدام أدوات تجسس متطورة لمراقبة المعارضين والنشطاء والصحفيين، داخل الإمارات وخارجها.

وقال اليوسف، معلقاً على التحذير الجديد: «تأملوا المحاولات البائسة من المافيات لاختراق حسابي». وبحسب المعلومات التي نشرها، فإن التنبيه الأخير ليس الأول من نوعه، إذ سبق أن تلقى تحذيرات مماثلة في ديسمبر/كانون الأول 2022، وأكتوبر/تشرين الأول 2023، ويونيو/حزيران 2025، ومايو/أيار 2026، قبل أن يتلقى تحذيراً جديداً يفيد بأن جهازه تعرض لمحاولة استهداف أخرى.

وتكتسب هذه التحذيرات أهمية خاصة في ضوء طبيعة الإشعارات التي تصدرها شركة «آبل». فالشركة تؤكد أن «إشعارات التهديد» الخاصة بها تُرسل إلى الأشخاص الذين تعتقد، بدرجة عالية من الثقة، أنهم تعرضوا لاستهداف فردي بواسطة برامج تجسس مرتزقة شديدة التطور، وهي هجمات غالباً ما تستهدف شخصيات محددة بسبب هويتهم أو نشاطهم أو طبيعة عملهم، مثل الصحفيين والنشطاء والسياسيين والدبلوماسيين. لكن «آبل» لا تنسب هذه الهجمات عادة إلى دولة أو جهة بعينها.

وفي حالة يوسف خليفة اليوسف، لا يقدم التحذير الصادر عن «آبل» دليلاً علنياً يحدد الجهة المسؤولة عن محاولة الاختراق. غير أن تكرار الاستهداف، بالتزامن مع سجل موثق من عمليات المراقبة الرقمية ضد شخصيات إماراتية معارضة، يعيد فتح التساؤلات بشأن مدى استخدام النظام الإماراتي لأدوات التجسس الإلكتروني ضد منتقديه.

وتبقى قضية الحقوقي الإماراتي البارز أحمد منصور واحدة من أبرز المحطات في تاريخ التجسس الرقمي المرتبط بالإمارات.

ففي أغسطس/آب 2016، تلقى منصور، المعروف بدفاعه عن حقوق الإنسان وانتقاده للسلطات الإماراتية، رسائل نصية مشبوهة على هاتفه «آيفون». وتضمنت الرسائل روابط تعده بمعلومات عن معتقلين تعرضوا للتعذيب في السجون الإماراتية.

بدلاً من فتح الروابط، أرسل منصور الرسائل إلى مختبر «سيتيزن لاب» في جامعة تورنتو الكندية. وأظهر التحليل أن الروابط كانت مصممة لاستغلال سلسلة من الثغرات الأمنية غير المعروفة سابقاً في نظام «آي أو إس»، بهدف تثبيت برنامج التجسس «بيغاسوس»، الذي تطوره مجموعة «إن إس أو» الإسرائيلية.

وخلص تحقيق «سيتيزن لاب» إلى أن عملية الاستهداف استخدمت برنامج «بيغاسوس»، الذي كان قادراً، في حال نجاح الاختراق، على تحويل الهاتف إلى أداة مراقبة شاملة، تشمل الوصول إلى الرسائل والاتصالات والبيانات والموقع الجغرافي، واستخدام الكاميرا والميكروفون عن بعد.

وقال الباحثون إن المؤشرات، بما في ذلك سجل استهداف منصور السابق وارتباط البنية التحتية المستخدمة بالإمارات، تشير إلى أن الحكومة الإماراتية كانت على الأرجح وراء العملية.

وسبق أن وثق «سيتيزن لاب» تعرض منصور سابقاً لبرامج تجسس مرتبطة بشركتي «فين فيشر» و«هاكينغ تيم»، قبل استهدافه بـ«بيغاسوس»، ما جعل قضيته نموذجاً بارزاً لاستخدام تقنيات المراقبة التجارية ضد المدافعين عن حقوق الإنسان.

وفي عام 2021، كشفت تحقيقات «مشروع بيغاسوس» عن وجود أكثر من 400 رقم هاتف بريطاني ضمن قائمة بيانات مسربة مرتبطة باختيار أهداف محتملة لعملاء شركة «إن إس أو» بين عامي 2017 و2019.

وقالت صحيفة «الغارديان»، استناداً إلى تحليل البيانات، إن الإمارات بدت الجهة الحكومية الرئيسية المرتبطة باختيار عدد كبير من الأرقام البريطانية. وشملت القائمة شخصيات عامة وصحفيين ومحامين ونشطاء ومعارضين يقيمون في بريطانيا.

لكن التحقيقات شددت في الوقت نفسه على أن ظهور رقم هاتف في القائمة المسربة لا يمثل، بمفرده، دليلاً على اختراق الهاتف فعلياً، بل يشير إلى أنه اختير باعتباره رقماً محل اهتمام لعميل يستخدم أنظمة «إن إس أو». كما نفت «إن إس أو» بعض الاستنتاجات المتعلقة بتحديد العملاء، مؤكدة أن التحليلات بنيت، بحسب قولها، على افتراضات غير مؤكدة.

ومن بين الأسماء التي أثيرت حولها تساؤلات، معارضون إماراتيون وشخصيات حقوقية وصحفيون في المنفى، ما أثار مخاوف بشأن امتداد المراقبة الإماراتية إلى الأراضي الأوروبية.

وفي عام 2019، كشفت تحقيقات صحفية عن برنامج إماراتي واسع للتجسس الإلكتروني عرف باسم «مشروع رافين»، شارك فيه مسؤولون سابقون في أجهزة الاستخبارات الأمريكية.

وبحسب ما كشفته التحقيقات، استخدم البرنامج قدرات اختراق إلكتروني لمراقبة أهداف شملت صحفيين ونشطاء وخصوماً سياسيين وشخصيات تعتبرها أبوظبي مصدر تهديد أو انتقاد.

وأشارت تقارير حقوقية إلى أن البرنامج استخدم أداة تعرف باسم «كارما»، مكنت منفذي العمليات من الوصول إلى رسائل وصور وبيانات تحديد المواقع على أجهزة «آيفون» من خلال استغلال ثغرات أمنية. كما ارتبط «مشروع رافين» لاحقاً بشركة «دارك ماتر» الإماراتية.

وتعزز هذه الوقائع المخاوف من أن الإمارات لم تعتمد فقط على شراء برامج تجسس أجنبية، بل عملت أيضاً على بناء بنية محلية متقدمة للمراقبة والهجمات الإلكترونية.

وتقول منظمات حقوقية إن المراقبة الرقمية تشكل جزءاً من منظومة أوسع لتقييد حرية التعبير في الإمارات. وتشير منظمة «هيومن رايتس ووتش» إلى أن السلطات الإماراتية تفرض قيوداً شديدة على حرية التعبير والتجمع، وأن مراقبة الاتصالات والأجهزة الإلكترونية أسهمت في خلق مناخ واسع من الرقابة الذاتية والخوف من التعبير عن الرأي المخالف.

كما وثق «سيتيزن لاب» حملات استهداف إلكترونية ضد صحفيين ونشطاء ومعارضين إماراتيين منذ عام 2012، فيما أشار إلى أن القضية لا تتعلق بحادثة فردية، بل بنمط متكرر من الهجمات الموجهة ضد شخصيات معروفة بانتقادها السلطات.