تروّج الإمارات لنموذجها في “تمكين الشباب” وصناعة المستقبل، وتقدم نفسها بوصفها دولة تستثمر في الأجيال الجديدة وتفتح أمامها أبواب المشاركة والابتكار. لكن خلف هذا الخطاب الرسمي، تبرز صورة مختلفة لمواطنين إماراتيين دفعوا سنوات من أعمارهم ثمنًا لنشاطهم الحقوقي أو تعبيرهم السلمي عن آرائهم، في مفارقة تضع شعارات التمكين أمام اختبار الحريات والحقوق الأساسية.
وتكشف قضايا معتقلي الرأي، من “الإمارات 94” إلى “الإمارات 84″، عن نمط متكرر من الاعتقال والمحاكمات والأحكام الطويلة، فيما تقول منظمات حقوقية إن بعض المعتقلين استمر احتجازهم حتى بعد انتهاء مدد الأحكام الصادرة بحقهم.
ويبرز المدافع عن حقوق الإنسان أحمد منصور باعتباره أحد أبرز الأمثلة على ذلك. فمنذ اعتقاله عام 2017، يقضي منصور أحكامًا بالسجن على خلفية نشاطه الحقوقي، بعدما حُكم عليه بالسجن عشر سنوات، ثم أُيد بحقه حكم آخر بالسجن 15 عامًا عام 2025.
وسبق أن أعربت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية مرارًا عن قلقها بشأن ظروف احتجازه والعزلة المطولة التي يخضع لها.
كما يبرز الأكاديمي والاقتصادي ناصر بن غيث، الذي حُكم عليه بالسجن عشر سنوات في قضية ارتبطت بتعبيره السلمي عن آرائه وانتقاداته، قبل أن يجد نفسه لاحقًا ضمن المحاكمة الجماعية المعروفة باسم “الإمارات 84″، التي أثارت انتقادات حقوقية واسعة.
ولا تتوقف الحالات عند الشخصيات المعروفة، إذ تمثل قضية منصور الأحمدي مثالًا آخر على أثر الاعتقال الممتد على حياة الأفراد. فقد دخل الأحمدي السجن وهو في أواخر العشرينيات من عمره ضمن قضية “الإمارات 94″، ورغم انتهاء مدة محكوميته عام 2019، استمر احتجازه حتى عام 2021، قبل أن يعاد اعتقاله عام 2023.
وتضع هذه الوقائع سؤالًا مباشرًا أمام الخطاب الإماراتي بشأن تمكين الشباب: كيف يمكن الحديث عن الاستثمار في الأجيال الجديدة، بينما يقضي مواطنون سنوات من شبابهم خلف القضبان بسبب ممارسة حقوق أساسية يفترض أن تحميها ضمانات العدالة وحرية التعبير؟
ويقول مركز مناصرة معتقلي الإمارات إن تمكين الشباب لا يقاس بالشعارات والمؤتمرات، وإنما بقدرتهم على التعبير عن آرائهم بحرية، والمشاركة في الشأن العام، والتمتع بضمانات العدالة وسيادة القانون، دون الخوف من الاعتقال أو الانتقام.
وتقدم قضية معتقل الرأي الإماراتي خليفة هلال خليفة سعيد النعيمي صورة أكثر تفصيلًا لما تصفه منظمات حقوقية بأنه مسار ممتد من الانتهاكات، بدأ بالاعتقال والإخفاء القسري، مرورًا بالحبس الانفرادي والتعذيب، وصولًا إلى استمرار الاحتجاز بعد انتهاء مدة الحكم.
وُلد النعيمي عام 1987، وعمل ناشطًا حقوقيًا ومذيعًا في قناة الظفرة، كما أعد عددًا من البرامج والفعاليات المجتمعية التي غطاها تلفزيون الشارقة، ومثل الإمارات في ملتقيات ومخيمات كشفية دولية من خلال جمعية الإمارات الكشفية.
وتقول المصادر الحقوقية إن التضييق على النعيمي بدأ بسبب نشاطه الحقوقي ودفاعه عن المعتقلين الخمسة عام 2011، قبل أن يوقع في 3 مارس من العام نفسه على “عريضة الثالث من مارس” المطالبة بالإصلاح.
واعتقل جهاز الأمن الإماراتي النعيمي في 16 يوليو 2012 من منزل أسرته، وبقي مختفيًا قسريًا في مكان مجهول إلى أن ظهر خلال جلسات المحاكمة في مارس.
وبحسب مركز مناصرة معتقلي الإمارات، تعرض النعيمي خلال فترة احتجازه للحبس الانفرادي في زنزانة تفتقر إلى سرير أو سجادة أو مصحف، فيما مُنعت أسرته من معرفة مكان احتجازه. كما قال المركز إنه لم يُسمح له بالتمثيل القانوني، وخضع لتحقيقات ليلية وهو معصوب العينين، وتعرض للسباب، ومنع من إدخال الكتب والصحف.
وفي 2 يوليو 2013، أصدرت المحكمة الاتحادية العليا في أبوظبي حكمًا بسجنه عشر سنوات، مع ثلاث سنوات إضافية للمراقبة، بتهمة الانتماء إلى تنظيم سري غير مشروع، ضمن القضية المعروفة باسم “الإمارات 94”.
وتقول المنظمات الحقوقية إن محاكمة النعيمي شابتها انتهاكات قانونية، من بينها غياب الأدلة المادية على بعض التهم، وعدم التحقيق في مزاعم الإخفاء القسري والتعذيب، فضلًا عن التحقيق معه أكثر من مرة وهو معصوب العينين وإجباره على توقيع اعترافات تحت التهديد، وحرمانه من التمثيل القانوني طوال المحاكمة.
واستمرت الانتهاكات، وفق المركز، بعد نقله إلى سجن الرزين، حيث تعرض في مارس 2014 للحبس الانفرادي داخل زنزانة ضيقة، كما أفيد بمنعه من الطعام، وتعرضه ورفيقه المعتقل علي عبدالله الخاجة للضرب، إضافة إلى منعه من حضور جنازة والده والصلاة عليه بعد أن حُرم من رؤيته لأكثر من عام ونصف.
وقد أكمل النعيمي مدة محكوميته في 16 يوليو 2022، لكن السلطات واصلت احتجازه في مركز المناصحة بسجن الرزين، بذريعة أنه يشكل خطورة إرهابية، وفق مركز مناصرة معتقلي الإمارات.
وفي ديسمبر 2023، أُحيل النعيمي و83 إماراتيًا آخر إلى المحاكمة أمام دائرة أمن الدولة في محكمة أبوظبي الاستئنافية بتهم تأسيس ودعم تنظيم إرهابي، في القضية المعروفة باسم “الإمارات 84”.
وأعرب 17 خبيرًا من خبراء الأمم المتحدة في يناير 2024 عن “قلقهم البالغ” إزاء محاكمة 84 شخصًا من أعضاء المجتمع المدني، محذرين من احتمال صدور أحكام بالإعدام أو السجن لفترات طويلة.
وفي 10 يوليو، أعلنت وكالة أنباء الإمارات “وام” أن محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية أدانت 53 متهمًا وست شركات، وأصدرت أحكامًا تراوحت بين السجن المؤبد والغرامة التي بلغت 20 مليون درهم. ووفق مركز مناصرة معتقلي الإمارات، كان النعيمي من بين 43 متهمًا صدر بحقهم حكم بالسجن المؤبد لمدة 25 عامًا.
وتضع هذه القضية وغيرها صورة شديدة التناقض بين الخطاب الإماراتي عن تمكين الإنسان والمستقبل، وبين واقع حقوقي تقول منظمات دولية ومحلية إنه يقوم على تقييد المجال العام وملاحقة أصوات معارضة وحقوقية.
فالشباب لا يحتاجون فقط إلى برامج ومؤتمرات وشعارات عن المستقبل، بل يحتاجون إلى الحق في التعبير والمشاركة والاختلاف، وإلى قضاء مستقل وضمانات محاكمة عادلة، وإلى حماية من الاعتقال التعسفي، وبينما تحتفي الإمارات إعلاميًا بالشباب بوصفهم قوة المستقبل، تبقى قضية معتقلي الرأي اختبارًا أكثر جدية لهذا المستقبل.
