موقع إخباري يهتم بفضائح و انتهاكات دولة الامارات

الإمارات تتحايل لتجميل واقع السجون مع استمرار احتجاز معتقلين بعد انتهاء محكومياتهم

618

تتعمد سلطات الإمارات في ضوء ما تتعرض له من انتقادات شديدة من الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان الدولية، التحايل لتجميل واقع السجون في الدولة مع استمرار احتجاز العشرات من معتقلي الرأي على الرغم من انتهاء محكومياتهم.

وقد أثار قرار جديد أصدرته دائرة القضاء في أبوظبي بشأن تنظيم إيداع بعض نزلاء مراكز الإصلاح والتأهيل في عنابر خاصة، موجة من الانتقادات الحقوقية وسط اتهامات بأن الخطوة تركز على الجوانب الإجرائية داخل المؤسسات العقابية، بينما تتجاهل القضية التي تصفها منظمات حقوق الإنسان بأنها الأكثر إلحاحاً، والمتمثلة في استمرار احتجاز معتقلين أنهوا محكومياتهم القضائية.

وقالت دائرة القضاء إن القرار يأتي في إطار تطوير المنظومة الإصلاحية وتعزيز برامج التأهيل وإعادة الإدماج المجتمعي، ويشمل المحكومين في قضايا الجنح والجرائم المالية، مع إمكانية تطبيقه على بعض المحكومين في قضايا الجنايات، باعتباره جزءاً من تحديث السياسات الخاصة بإدارة المؤسسات العقابية.

إلا أن منظمات حقوقية اعتبرت أن الإعلان عن إجراءات تنظيمية جديدة لا يعالج الانتقادات الأساسية الموجهة إلى سجل حقوق الإنسان في الإمارات، والتي تتعلق باستمرار احتجاز عدد من معتقلي الرأي بعد انتهاء الأحكام الصادرة بحقهم، من خلال إحالتهم إلى ما يعرف بـ”مراكز المناصحة”.

وتقول السلطات الإماراتية إن هذه المراكز تهدف إلى إعادة التأهيل الفكري وإعادة دمج النزلاء في المجتمع، بينما ترى منظمات حقوقية أن استخدامها أدى عملياً إلى تمديد احتجاز أشخاص بعد انتهاء عقوباتهم الأصلية، وهو ما تعتبره شكلاً من أشكال الاحتجاز التعسفي الذي يتعارض مع المعايير الدولية المتعلقة بالحق في الحرية والمحاكمة العادلة.

ويأتي القرار الجديد في وقت تتواصل فيه الانتقادات الدولية الموجهة إلى أبوظبي بشأن أوضاع معتقلي الرأي، خصوصاً بعد الأحكام الصادرة في القضية المعروفة إعلامياً باسم “الإمارات 84″، والتي أصدرت فيها محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية أحكاماً تراوحت بين السجن عشر سنوات والمؤبد بحق عشرات المتهمين، مقابل حكم براءة واحد فقط.

ويرى ناشطون حقوقيون أن القضية أعادت إلى الواجهة ملف معتقلي “الإمارات 94″، الذين اعتقلوا منذ عام 2012 على خلفية مطالبات سياسية سلمية، مؤكدين أن العديد منهم أمضوا سنوات طويلة في السجون، قبل أن يواجه بعضهم إجراءات جديدة حالت دون الإفراج عنهم بعد انتهاء مدة العقوبة.

وتصف منظمات حقوقية هذه السياسة بأنها “إعادة تدوير للقضايا”، إذ يتم، بحسب تلك المنظمات، فتح ملفات جديدة بحق معتقلين مع اقتراب انتهاء محكومياتهم أو بعد انتهائها، بما يؤدي إلى استمرار احتجازهم لفترات إضافية.

وفي هذا السياق، قال وكيل النيابة الإماراتي السابق محمد بن صقر الزعابي إن القضية “سياسية بامتياز ولا علاقة لها بالقانون”، مضيفاً أن عدداً من المتهمين “حوكموا سابقاً على الوقائع نفسها وقضوا سنوات طويلة داخل السجون، بل أمضى بعضهم فترات إضافية بعد انتهاء أحكامهم”.

ونقل عنه مركز مناصرة معتقلي الإمارات قوله إن ما يجري يمثل “محاولة لإضفاء غطاء قانوني على انتهاكات تمارسها السلطة بحق معتقلي الرأي”، معتبراً أن أخطر ما في القضية يتمثل في منهجية إبقاء السجناء السياسيين رهن الاحتجاز عبر قضايا جديدة فور انتهاء العقوبات الأصلية.

كما انتقد الزعابي ما وصفه باستخدام القضاء كواجهة قانونية لإضفاء الشرعية على قرارات أمنية، معتبراً أن القانون أصبح، بحسب تعبيره، وسيلة لإدامة الاعتقال بدلاً من حماية الحقوق وضمان العدالة.

وتبرز مراكز المناصحة باعتبارها إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل في هذا الملف، إذ تؤكد السلطات أنها مؤسسات تأهيلية، بينما تعتبرها منظمات حقوقية شكلاً من أشكال الاحتجاز الإداري غير المحدد زمنياً، يسمح باستمرار احتجاز أشخاص بعد استكمال العقوبات القضائية الصادرة بحقهم.

وأكدت منظمات حقوق الإنسان أن أي حديث عن إصلاح المنظومة العقابية يظل ناقصاً ما لم يترافق مع الإفراج عن المحتجزين الذين أنهوا مدة محكومياتهم، وإنهاء ما تصفه بسياسة الاحتجاز الممتد، وضمان احترام الضمانات القانونية المنصوص عليها في المواثيق الدولية.

ولا تقتصر الانتقادات على أوضاع السجون، إذ تشير تقارير حقوقية إلى تعرض عائلات عدد من المعتقلين لإجراءات وصفتها بالعقابية، تشمل المنع من السفر، وتعطيل بعض المعاملات الرسمية، وصعوبات في العمل والتعليم، إضافة إلى ضغوط أمنية متكررة.

كما تحدث الزعابي عن تعرض بعض المقيمين، بحسب قوله، لتهديدات تتعلق بمصالحهم أو أوضاع أسرهم إذا كشفوا عن الانتهاكات التي تعرضوا لها، وهو ما اعتبره دليلاً على اتساع دائرة الضغوط خارج أسوار السجون.

ويقول مراقبون إن الإمارات تواجه منذ سنوات انتقادات متكررة من منظمات حقوقية دولية بسبب أوضاع حرية التعبير واستقلال القضاء، في وقت تؤكد فيه السلطات التزامها بسيادة القانون، وترفض الاتهامات الموجهة إليها، معتبرة أن الإجراءات المتخذة تستند إلى التشريعات الوطنية وتهدف إلى حماية الأمن والاستقرار.

ورغم الإعلان عن خطوات تصفها السلطات بأنها تطويرية داخل المؤسسات العقابية، يرى حقوقيون أن المعيار الحقيقي لأي إصلاح يبقى مرتبطاً بمدى احترام الحق في الحرية، وإنهاء احتجاز الأشخاص بعد انتهاء محكومياتهم، وضمان استقلال القضاء، وتوفير محاكمات عادلة، باعتبارها القضايا التي لا تزال محور الانتقادات الحقوقية الموجهة إلى أبوظبي.

ويؤكد مراقبون أن استمرار الجدل حول قضايا معتقلي الرأي وسياسات الاحتجاز بعد انتهاء الأحكام يجعل أي إصلاحات إدارية أو تنظيمية داخل السجون عرضة للتشكيك، ما لم تترافق مع خطوات تعالج جوهر الانتقادات المتعلقة بحقوق الإنسان وسيادة القانون.