أعلنت الإمارات اليوم الجمعة، صدور عفو رئاسي عن الشاعر والمعارض المصري التركي عبد الرحمن يوسف القرضاوي، بعد أسبوع واحد من صدور حكم بسجنه عشر سنوات وتغريمه 200 ألف درهم، من دون أن تكشف السلطات بشكل واضح عن مصيره أو مكان وجوده أو ما إذا كان قد أُطلق سراحه فعلياً أو سيسمح له بمغادرة البلاد.
وقالت وكالة الأنباء الإماراتية الرسمية “وام” إن رئيس الدولة أصدر، في الرابع من سبتمبر/أيلول 2026، عفواً عن عبد الرحمن يوسف القرضاوي، الذي أدانته محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية، دائرة الجرائم الإلكترونية، في 27 أغسطس/آب الماضي، وحكمت عليه بالسجن لمدة عشر سنوات وغرامة مالية قدرها 200 ألف درهم.
وأضافت الوكالة أن “الإجراءات اللازمة لتنفيذ العفو الرئاسي” اتُخذت، من دون تقديم أي تفاصيل إضافية بشأن وضع القرضاوي القانوني أو مكان احتجازه أو موعد الإفراج عنه أو وجهته بعد تنفيذ العفو.
ويثير غياب هذه المعلومات تساؤلات واسعة، خصوصاً أن القرضاوي ظل لأشهر طويلة محور تحذيرات صادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية، تحدثت عن تعرضه للاعتقال التعسفي والإخفاء القسري وحرمانه من التواصل المنتظم مع أسرته ومحاميه.
وكان القرضاوي قد اعتُقل في لبنان في 28 ديسمبر/كانون الأول 2024 أثناء عودته من سوريا عبر معبر المصنع الحدودي، قبل أن تطلب الإمارات تسليمه على خلفية منشور مصور نشره خلال وجوده في سوريا وانتقد فيه السلطات المصرية والإماراتية والسعودية.
وأفادت منظمات حقوقية بأن السلطات اللبنانية اعتقلت القرضاوي بداية بناء على طلب توقيف مؤقت صادر عن مصر، قبل أن تقدم الإمارات طلباً إضافياً باعتقاله وتسليمه. وتضمنت الاتهامات المنسوبة إليه، وفقاً لما أعلن لاحقاً، نشر “أخبار كاذبة” و”إثارة وتكدير الأمن العام”.
ورغم الاعتراضات القانونية والحقوقية، قررت السلطات اللبنانية تسليمه إلى الإمارات في 8 يناير/كانون الثاني 2025، بعد أيام من التحذيرات الدولية التي طالبت بعدم ترحيله بسبب المخاطر التي قد يتعرض لها.
وحذّر خبراء تابعون للأمم المتحدة، قبل عملية التسليم، من أن القرضاوي قد يتعرض للتعذيب أو سوء المعاملة أو الاختفاء القسري في حال ترحيله، معتبرين أن الاتهامات الموجهة إليه مرتبطة بممارسته حقه في حرية التعبير.
وقالت هيومن رايتس ووتش ومنظمة “منّا لحقوق الإنسان” إن تسليمه إلى الإمارات جرى رغم وجود مخاوف جدية بشأن تعرضه لانتهاكات جسيمة، واعتبرتا أن عملية التسليم انتهكت القوانين اللبنانية والالتزامات الدولية المتعلقة بحظر إعادة الأشخاص إلى بلدان قد يتعرضون فيها لخطر التعذيب أو الاضطهاد.
وأكدت المنظمتان أن القرضاوي لم يكن مواطناً إماراتياً، كما لم يكن موجوداً في الإمارات وقت ارتكاب الأفعال المنسوبة إليه، وأن القضية استندت بصورة أساسية إلى انتقادات نشرها على وسائل التواصل الاجتماعي.
وبعد وصوله إلى الإمارات، دخل مصير القرضاوي مرحلة من الغموض، إذ قالت منظمة العفو الدولية في فبراير/شباط 2025 إنه تعرض للإخفاء القسري، بعد أن عجزت أسرته عن الحصول على معلومات بشأن مكان احتجازه أو وضعه القانوني.
وأكدت المنظمة أن أسرته لم تكن تعرف مصيره أو مكان وجوده بدقة، فيما حُرم من الزيارات القنصلية التركية، رغم حمله الجنسية التركية إلى جانب الجنسية المصرية.
وتصاعدت الانتقادات الحقوقية خلال الأشهر التالية، بعدما استمر حرمانه من التواصل المنتظم مع العالم الخارجي. وقالت منظمات حقوقية إن أسرته لم تتمكن إلا من الحصول على اتصال هاتفي قصير، بينما واجه محاموه صعوبات في الوصول إليه والتواصل معه.
وأشارت هيومن رايتس ووتش في أبريل/نيسان 2025 إلى أن القرضاوي تعرض لأكثر من 90 يوماً من الإخفاء القسري، مطالبة السلطات الإماراتية بالكشف عن مكانه وضمان حصوله على الحقوق القانونية الأساسية، بما في ذلك التواصل مع محامٍ يختاره بنفسه وأفراد أسرته.
وفي أغسطس/آب 2025، قالت منظمة العفو الدولية إن القرضاوي ظل مختفياً قسرياً لأكثر من 200 يوم، وسط استمرار السلطات الإماراتية في عدم الكشف بصورة شفافة عن مكانه وظروف احتجازه ووضعه القانوني، مطالبة بالإفراج عنه وضمان سلامته الجسدية والنفسية.
وأكدت هيومن رايتس ووتش ومنظمة “منّا لحقوق الإنسان” في يناير/كانون الثاني 2026 أن القرضاوي ظل محتجزاً تعسفياً في ظروف انقطاع شبه تام عن العالم الخارجي، مشيرتين إلى أن السلطات الإماراتية لم تسمح، بحسب التقارير التي اطلعتا عليها، إلا بزيارتين قصيرتين لأسرته خلال عام كامل.
وقالت المنظمتان إن السلطات لم تقدم معلومات كافية بشأن مكان احتجازه أو وضعه القانوني أو الإجراءات القضائية التي كان يواجهها في ذلك الوقت، وطالبتا بالإفراج الفوري عنه والسماح له بمغادرة الإمارات إلى بلد لا يواجه فيه خطر الاضطهاد.
ويأتي العفو الرئاسي الجديد بعد أسابيع من انتهاء محاكمته وإصدار حكم بالسجن عشر سنوات، لكنه لا يبدد حتى الآن الغموض الذي أحاط بالقضية منذ لحظة اعتقاله في لبنان.
فالإعلان الإماراتي اكتفى بالإشارة إلى صدور العفو واتخاذ إجراءات تنفيذه، من دون تأكيد رسمي لإطلاق سراح القرضاوي أو الكشف عن مكان وجوده الحالي أو توضيح ما إذا كان سيتم ترحيله إلى تركيا أو السماح له بالسفر إلى دولة أخرى.
